تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنتم سواء في جحد الحق ، وإن لم تجعل الآية مشيرة إلى ما ذكر في أسباب النزول تعين أن تجعل المراد ب ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ بعض أهل الكتاب ، وهم المنصفون منهم مثل عبد الله بن سلام ومخيريق ، فقد كان المشركون يقدرون أهل الكتاب ويثقون بعلمهم وربما اتبع بعض المشركين دين أهل الكتاب وأقلعوا عن الشرك مثل ورقة بن نوفل ، فلذلك كانت شهادتهم في معرفة صحة الدين موثوقا بها عندهم إذا أدوها ولم يكتموها . وفيه تسجيل على أهل الكتاب بوجوب أداء هذه الشهادة إلى الناس .

فالضمير المنصوب في قوله : ﴿ يعرفونه ﴾ عائد إلى القرآن الذي في قوله : ﴿ وأوحي إلي هذا القرآن ﴾ ( الأنعام : 19 ) . والمراد أنهم يعرفون أنه من عند الله ويعرفون ما تضمنه مما أخبرت به كتبهم ، ومن ذلك رسالة من جاء به ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم لما في كتبهم من البشارة به . والمراد بالذين أوتوا الكتاب علماء اليهود والنصارى كقوله تعالى : ﴿ قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ ( الرعد : 43 ) .

والتشبيه في قوله : ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ تشبيه المعرفة بالمعرفة . فوجه الشبه هو التحقق والجزم بأنه هو الكتاب الموعود به ، وإنما جعلت المعرفة المشبه بها هي معرفة أبنائهم لأن المرء لا يضل عن معرفة شخص ابنه وذاته إذا لقيه وأنه هو ابنه المعروف ، وذلك لكثرة ملازمة الأبناء آباءهم عرفا .

وقيل : إن ضمير ﴿ يعرفونه ﴾ عائد إلى التوحيد المأخوذ من قوله : ﴿ إنما هو إله واحد ﴾ ( الأنعام : 19 ) وهذا بعيد . وقيل : الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يجر له ذكر فيما تقدم صريحا ولا تأويلا . ويقتضي أن يكون المخاطب غير الرسول صلى الله عليه وسلم وهو غير مناسب على أن في عوده إلى القرآن غنية عن ذلك مع زيادة إثباته بالحجة وهي القرآن .

وقوله : ﴿ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ﴾ استئناف لزيادة إيضاح تصلب المشركين وإصرارهم ، فهم المراد بالذين خسروا أنفسهم كما أريدوا بنظيره السابق الواقع بعد قوله ﴿ ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ﴾ ( النساء : 87 ) . فهذا من التكرير للتسجيل وإقامة الحجة وقطع المعذرة ، وأنهم مصرون على الكفر حتى ولو شهد بصدق الرسول

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ١٧١