فالرحمة هنا مصدر ، أي كتب على نفسه أن يرحم ، وليس المراد الصفة ، أي كتب على نفسه الاتصاف بالرحمة ، أي بكونه رحيما ، لأن الرحمة صفة ذاتية لله تعالى واجبة له ، والواجب العقلي لا تتعلق به الإرادة ، إلا إذا جعلنا ﴿ كتب ﴾ مستعملا في تمجز آخر ، وهو تشبيه الوجوب الذاتي بالأمر المحتم المفروض ، والقرينة هي هي إلا أن المعنى الأول أظهر في الامتنان ، وفي المقصود من شمول الرحمة للعبيد المعرضين عن حق شكره والمشركين له في ملكه غيره .
وفي ( الصحيحين ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى الله تعالى الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش ( إن رحمتي سبقت غضبي ) .
وجملة ﴿ ليجمعنكم إلى يوم القيامة ﴾ واقعة موقع النتيجة من الدليل والمسبب من السبب ، فإنه لما أبطلت أهلية أصنامهم للإلهية ومحضت وحدانية الله بالإلهية بطلت إحالتهم البعث بشبهة تفرق أجزاء الأجساد أو انعدامها .
ولام القسم ونون التوكيد أفادا تحقيق الوعيد . والمراد بالجمع استقصاء متفرق جميع الناس أفرادا وأجزاءا متفرقة . وتعديته ب ﴿ إلى ﴾ لتضمينه معنى السوق . وقد تقدم القول في نظيره عند قوله تعالى : { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه في سورة النساء ( 87 ) .
وضمير الخطاب في قوله : ليجمعنكم } مراد به خصوص المحجوجين من المشركين ، لأنهم المقصود من هذا القول من أوله ؛ فيكون نذارة لهم وتهديدا وجوابا عن أقل ما يحتمل من سؤال ينشأ عن قوله : ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ كما تقدم .
وجملة ﴿ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ﴾ الأظهر عندي أنها متفرعة على جملة ﴿ ليجمعنكم إلى يوم القيامة ﴾ وأن الفاء من قوله : ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ للتفريع والسببية . وأصل التركيب : فأنتم لا تؤمنون لأنكم خسرتم أنفسكم في يوم القيامة ؛ فعدل عن الضمير إلى الموصول لإفادة الصلة أنهم خسروا أنفسهم بسبب عدم إيمانهم .