الرابع : أن فيه إيماء إلى أن الله قد نجى أمة الدعوة المحمدية من عذاب الاستئصال الذي عذب به الأمم المكذبة رسلها من قبل ، وذلك ببركة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ جعله رحمة للعالمين في سائر أحواله بحكم قوله تعالى : ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ ( الأنبياء : 107 ) ، وإذ أراد تكثير تابعيه فلذلك لم يقض على مكذبيه قضاء عاجلا بل أمهلهم وأملى لهم ليخرج منهم من يؤمن به ، كما رجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك لما قالوا : ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ ( الأنفال : 32 ) قال الله تعالى ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ ( الأنفال : 33 ) . وقد حصل ما رجاه رسول الله فلم يلبث من بقي من المشركين أن آمنوا بالله ورسوله بعد فتح مكة ودخلوا في دين الله أفواجا ، وأيد الله بهم بعد ذلك دينه ورسوله ونشروا كلمة الإسلام في آفاق الأرض . وإذ قد قدر الله تعالى أن يكون هذا الدين خاتمة الأديان كان من الحكمة إمهال المعاندين له والجاحدين ، لأن الله لو استأصلهم في أول ظهور الدين لأتى على من حوته مكة من مشرك ومسلم ، ثم يحشرون على نياتهم ، كما ورد في الحديث لما قالت أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنهلك وفينا الصالحون ، قال : نعم ، إذا كثر الخبث ثم يحشرون على نياتهم ) . فلو كان ذلك في وقت ظهور الإسلام لارتفع بذلك هذا الدين فلم يحصل المقصود من جعله خاتمة الأديان . وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ﴾ فقال : ﴿ أعوذ بسبحات وجهك الكريم ﴾ .
ومعنى ﴿ كتب ﴾ تعلقت إرادته ، بأن جعل رحمته الموصوف بها بالذات متعلقة تعلقا عاما مطردا بالنسبة إلى المخلوقات وإن كان خاصا بالنسبة إلى الأزمان والجهات . فلما كان ذلك مطردا شبهت إرادته بالإلزام ، فاستعير لها فعل ( كتب ) الذي هو حقيقة في الإيجاب ، والقرينة هي مقام الإلهية ، أو جعل ذلك على نفسه لأن أحدا لا يلزم نفسه بشيء إلا اختيارا وإلا فإن غيره يلزمه . والمقصود أن ذلك لا يتخلف كالأمر الواجب المكتوب ، فإنهم كانوا إذا أرادوا تأكيد وعد أو عهد كتبوه ، كما قال الحارث بن حلزة :
واذكروا حلف ذي المجاز وما قدم فيه العهود والكفلاء
حذر الجور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء