تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعرض لهم في شؤونهم ، كتبوا على أحدها العقل في الدية ، إذا اختلفوا في تعيين من يحمل الدية منهم ؛ وأزلام لإثبات النسب ، مكتوب على واحد ( منكم ) ، وعلى واحد ( من غيركم ) ، وفي آخر ( ملصق ) . وكانت لهم أزلام لإعطاء الحق في المياه إذا تنازعوا فيها . وبهذه استقسم عبد المطلب حين استشار الآلهة في فداء ابنه عبد الله من النذر الذي نذره أن يذبحه إلى الكعبة بعشرة من الإبل ، فخرج الزلم على عبد الله فقالوا له : أرض الآلهة فزاد عشرة حتى بلغ مائة من الإبل فخرج الزلم على الإبل فنحرها . وكان الرجل قد يتخذ أزلاما لنفسه ، كما ورد في حديث الهجرة ( أن سراقة ابن مالك لما لحق النبي صلى الله عليه وسلم ليأتي بخبره إلى أهل مكة استقسم بالأزلام فخرج له ما يكره ) .

والإشارة في قوله : ﴿ ذلكم فسق ﴾ راجعة إلى المصدر وهو ﴿ أن تستقسموا ﴾ . وجيء بالإشارة للتنبيه عليه حتى يقع الحكم على متميز معين .

والفسق : الخروج عن الدين ، وعن الخير ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وما يضل به إلا الفاسقين في سورة البقرة ( 26 ) .

وجعل الله الاستقسام فسقا لأن منه ما هو مقامرة ، وفيه ما هو من شرائع الشرك ، لتطلب المسببات من غير أسبابها ، إذ ليس الاستقسام سببا عاديا مضبوطا ، ولا سببا شرعيا ، فتمحض لأن يكون افتراء ، مع أن ما فيه من توهم الناس إياه كاشفا عن مراد الله بهم ، من الكذب على الله ، لأن الله نصب لمعرفة المسببات أسبابا عقلية : هي العلوم والمعارف المنتزعة من العقل ، أو من أدلته ، كالتجربة ، وجعل أسبابا لا تعرف سببيتها إلا بتوقيف منه على لسان الرسل : كجعل الزوال سببا للصلاة . وما عدا ذلك كذب وبهتان ، فمن أجل ذلك كان فسقا ، ولذلك قال فقهاؤنا بجرحة من ينتحل ادعاء معرفة الغيوب .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ٩٨