لأن هذه الأخبار كلها دليل حكمته تعالى ، وأما بوصف العزيز فلأن العزيز يناسب عزته أن يكون غالبا من كل طريق فهو غالب من طريق المعبودية ، لا يسأل عما يفعل ، وغالب من طريق المعقولية إذ شاء أن لا يؤاخذ عبيده إلا بعد الأدلة والبراهين والآيات . وتأخير وصف الحكيم لأن إجراء عزته على هذا التمام هو أيضا من ضروب الحكمة الباهرة .
| 2 ( 166 ) ﴿ لاكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ﴾ . ) 2
هذا استدراك على معنى أثاره الكلام : لأن ما تقدم من قوله : ﴿ يسألك أهل الكتاب ﴾ ( النساء : 153 ) مسوق مساق بيان تعنتهم ومكابرتهم عن أن يشهدوا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة نسبة القرآن إلى الله تعالى ، فكان هذا المعنى يستلزم أنهم يأبون من الشهادة بصدق الرسول ، وأن ذلك يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم فجاء الاستدراك بقوله : ﴿ لكن الله يشهد ﴾ . فإن الاستدراك تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه . والمعنى : لم يشهد أهل الكتاب لكن الله شهد وشهادة الله خير من شهادتهم .
وقد مضى عند قوله تعالى : ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم في سورة البقرة ( 282 ) ، أن حقيقة الشهادة إخبار لتصديق مخبر ، وتكذيب مخبر آخر . وتقدم أنها تطلق على الخبر المحقق الذي لا يتطرقه الشك عند قوله تعالى : شهد الله أنه لا إله إلا هو في سورة آل عمران ( 18 ) . فالشهادة في قوله : لكن الله يشهد ﴾ أطلقت على الإخبار بنزول القرآن من الله إطلاقا مجازيا ، لأن هذا الخبر تضمن تصديق الرسول وتكذيب معانديه ، وهو إطلاق على وجه الاستعارة من الإطلاق الحقيقي هو غير الإطلاق الذي في قوله : ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ ( آل عمران : 18 ) فإنه على طريقة المجاز المرسل . وعطف شهادة الملائكة على شهادة الله : لزيادة تقرير هذه الشهادة بتعدد الشهود ، ولأن شهادة الله مجاز في العلم وشهادة الملائكة