والتفريط في المهمات ، لأن التفطن لأسباب العقوبة أول درجات التوفيق . ومثل ذلك مثل البله من الناس تصيبهم الأمراض المعضلة فيحسبونها من مس الجن أو من عين أصابتهم ويعرضون عن العلل والأسباب فلا يعالجونها بدوائها .
و ( ما ) في قوله ﴿ بما عصوا ﴾ مصدرية ، أي بعصيانهم وكونهم معتدين ، فعدل عن التعبير بالمصدرين إلى التعبير بالفعلين مع ( ما ) المصدرية ليفيد الفعلان معنى تجدد العصيان واستمرار الاعتداء منهم ، ولتفيد صيغة المضي أن ذلك أمر قديم فيهم ، وصيغة المضارع أنه متكرر الحدوث . فالعصيان هو مخالفة أوامر الله تعالى . والاعتداء هو إضرار الأنبياء . وإنما عبر في جانب العصيان بالماضي لأنه تقرر فلم يقبل الزيادة ، وعبر في جانب الاعتداء بالمضارع لأنه مستمر ، فإنهم اعتدوا على محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والمنافقة ومحاولة الفتك والكيد .
وجملة ﴿ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ﴾ مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا لسؤال ينشأ عن قوله : ﴿ ذلك بما عصوا ﴾ ، وهو أن يقال كيف تكون أمة كلها متمالئة على العصيان والاعتداء ، فقال : ﴿ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ﴾ . وذلك أن شأن المناكر أن يبتدئها الواحد أن النفر القليل ، فإذا لم يجدوا من يغير عليهم تزايدوا فيها ففشت واتبع فيها الدهماء بعضهم بعضا حتى تعم وينسى كونها مناكر فلا يهتدي الناس إلى الإقلاع عنها والتوبة منها فتصيبهم لعنة الله . وقد روى الترمذي وأبو داوود من طرق عن عبد الله بن مسعود بألفاظ متقاربة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان الرجل من بني إسرائيل يلقى الرجل إذا رآه على الذنب فيقول : يا هذا اتقق الله ودع ما تصنع ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وخليطه وشريكه ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داوود وعيسى ابن مريم ، ثم قرأ : ﴿ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل إلى قوله : فاسقون ﴾ ( المائدة : 78 81 ) ثم قال : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض أو ليلعنكم كما لعنهم ) .