تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جملة ﴿ لعن ﴾ مستأنفة استئنافا ابتدائيا فيها تخلص بديع لتخصيص اليهود بالإنحاء عليهم دون النصارى . وهي خبرية مناسبة لجملة ﴿ قد ضلوا من قبل ﴾ ( المائدة : 77 ) ، تتنزل منها منزلة الدليل ، لأن فيها استدلالا على اليهود بما في كتبهم وبما في كتب النصارى . والمقصود إثبات أن الضلال مستمر فيهم فإن ما بين داوود وعيسى أكثر من ألف سنة .

و ﴿ على ﴾ في قوله : ﴿ على لسانن داوود ﴾ للاستعلاء المجازي المستعمل في تمكن الملابسة ، فهي استعارة تبعية لمعنى باء الملابسة مثل قوله تعالى : ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ ( البقرة : 5 ) ، قصد منها المبالغة في الملابسة ، أي لعنوا بلسان داوود ، أي بكلامه الملابس للسانه . وقد ورد في سفر الملوك وفي سفر المزامير أن داوود لعن الذين يبدلون الدين ، وجاء في المزمور الثالث والخمسين ( الله من السماء أشرف على بني البشر لينظر هل من فاهمم طالبب الله كلهم قد ارتدوا معا فسدوا ثم قال أخزيتهم لأن الله قد وفضهم ليت من صهيون خلاص إسرائيل ) وفي المزمور 109 ( قد انفتح علي فم الشرير وتكلموا معي بلسان كذب أحاطوا بي وقاتلوني بلا سبب ثم قال ينظرون إلي وينغضون رؤوسهم ثم قال أما هم فيلعنون وأما أنت فتبارك ، قاموا وخزوا أما عبدك فيفرح ) ذلك أن بني إسرائيل كانوا قد ثاروا على داوود مع ابنه ابشلوم . وكذلك لعنهم على لسان عيسى متكرر في الأناجيل . و ( ذلك ) إشارة إلى اللعن المؤخوذ من لعن أو إلى الكلام السابق بتأويل المذكور . والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ؛ كأن سائلا يسأل عن موجب هذا اللعن فأجيب بأنه بسبب عصيانهم وعدوانهم ، أي لم يكن بلا سبب . وقد أفاد اسم الإشارة مع باء السببية ومع وقوعه في جواب سؤال مقدر أفاد مجموع ذلك مفاد القصر ، أي ليس لعنهم إلا بسبب عصيانهم كما أشار إليه في ( الكشاف ) وليس في الكلام صيغة قصر ، فالحصر مأخوذ من مجموع الأمور الثلاثة . وهذه النكتة من غرر صاحب ( الكشاف ) . والمقصود من الحصر أن لا يضل الناس في تعليل سبب اللعن فربما أسندوه إلى سبب غير ذلك على عادة الضلال في العناية بالسفاسف

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ٢٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ٢٩٢