فإن كفه مملوكة له لا محالة ، ولكنه أراد أنه تمكن من كفه تمام التمكن فدفع به الرمح دفعة عظيمة لم تخنه فيها كفه . ومن هذا الاستعمال نشأ إطلاق الملك بمعنى الاستطاعة القوية الثابتة على سبيل المجاز المرسل كما وقع في هذه الآية ونظائرها ﴿ ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ﴾ ( الفرقان : 3 ) ﴿ قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ﴾ ( يونس : 49 ) ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ﴾ ( العنكبوت : 17 ) . فقد تعلق فعل الملك فيها بمعان لا بأشياء وذوات ، وذلك لا يكون إلا على جعل الملك بمعنى الاستطاعة القوية ألا ترى إلى عطف نفي على نفي الملك على وجه الترقي في قوله تعالى : ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون في سورة النحل ( 73 ) . وقد تقدم آنفا استعمال آخر في قوله : قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ﴾ ( المائدة : 17 ) .
وقدم الضر على النفع لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعه من تطلعها إلى جلب النفع ، فكان أعظم ما يدفعهم إلى عبادة الأصنام أن يستدفعوا بها الأضرار بالنصر على الأعداء وبتجنبها إلحاق الإضرار بعابديها .
ووجه الاستدلال على أن معبوداتهم لا تملك ضرا ولا نفعا ، وقوع الأضرار بهم وتخلف النفع عنهم .
فجملة ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ في موضع الحال ، قصر بواسطة تعريف الجزأين وضمير الفصل ، سبب النجدة والإغاثة في حالي السؤال وظهور الحالة ، على الله تعالى قصر ادعاء بمعنى الكمال ، أي ولا يسمع كل دعاء ويعلم كل احتياج إلا الله تعالى ، أي لا عيسى ولا غيره مما عبد من دون الله .
فالواو في قوله ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ واو الحال . وفي موقع هذه الجملة تحقيق لإبطال عبادتهم عيسى ومريم من ثلاثة طرق : طريقق القصر وطريقق ضمير الفصل وطريق جملة الحال باعتبار ما تفيده من مفهوم مخالفه .