ومعنى ﴿ يد الله مغلولة ﴾ الوصف بالبخل في العطاء لأن العرب يجعلون العطاء معبرا عنه باليد ، ويجعلون بسط اليد استعارة للبذل والكرم ، ويجعلون ضد البسط استعارة للبخل فيقولون : أمسك يده وقبض يده ، ولم نسمع منهم : غل يده ، إلا في القرآن كما هنا ، وقوله : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك في سورة الإسراء ( 29 ) ، وهي استعارة قوية لأن مغلول اليد لا يستطيع بسطها في أقل الأزمان ، فلا جرم أن تكون استعارة لأشد البخل والشح .
واليهود أهل إيمان ودين فلا يجوز في دينهم وصف الله تعالى بصفات الذم . فقولهم هذا : إما أن يكون جرى مجرى التهكم بالمسلمين إلزاما لهذا القول الفاسد لهم ، كما روي أنهم قالوا ذلك لما كان المسلمون في أول زمن الهجرة في شدة ، وفرض الرسول عليهم الصدقات ، وربما استعان باليهود في الديات . وكما روي أنهم قالوه لما نزل قوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) فقالوا : إن رب محمد فقير وبخيل . وقد حكي عنهم نظيره في قوله تعالى : ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ ( البقرة : 181 ) . ويؤيد هذا قوله عقبه ﴿ وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ﴾ . وإما أن يكونوا قالوه في حالة غضب ويأس ؛ فقد روي في سبب نزولها أن اليهود نزلت بهم شدة وأصابتهم مجاعة وجهد ، فقال فنحاص بن عازورا هذه المقالة ، فإما تلقفوها منه على عادة جهل العامة ، وإما نسب قول حبرهم إلى جميعهم لأنهم يقلدونه ويقتدون به .
وقد ذمهم الله تعالى على كلا التقديرين ، إذ الأول استخفاف بالإسلام وبدينهم أيضا ، إذ يجب تنزيه الله تعالى عن هذه المقالات ، ولو كانت على نية إلزام الخصم ، والثاني ظاهر ما فيه من العجرفة والتأفف من تصرف الله ، فقابل الله قولهم بالدعاء عليهم . وذلك ذم على طريقة العرب .
وجملة ﴿ غلت أيديهم ﴾ معترضة بين جملة ﴿ وقالت اليهود ﴾ وبين جملة ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ . وهي إنشاء سب لهم .