والذي يظهر لي أن يكون قوله : ﴿ وأن أكثركم فاسقون ﴾ معطوفا على ﴿ أن آمنا بالله ﴾ على ما هو المتبادر ويكون الكلام تهكما ، أي تنقمون منا أننا آمنا كإيمانكم وصدقنا رسلكم وكتبكم ، وذلك نقمه عجيب وأننا آمنا بما أنزل إلينا وذلك لا يهمكم . وتنقمون منا أن أكثركم فاسقون ، أي ونحن صالحون ، أي هذا نقم حسد ، أي ونحن لا نملك لكم أن تكونوا صالحين . فظهرت قرينة التهكم فصار في الاستفهام إنكار فتعجب فتهكم ، تولد بعضها عن بعض وكلها متولدة من استعمال الاستفهام في مجازاته أو في معان كنائية ، وبهذا يكمل الوجه الذي قدمه صاحب ( الكشاف ) .
ثم اطرد في التهكم بهم والعجبب من أفن رأيهم مع تذكيرهم بمساويهم فقال : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ﴾ الخ . وشر اسم تفضيل ، أصله أشر ، وهو للزيادة في الصفة ، حذفت همزته تخفيفا لكثرة الاستعمال ، والزيادة تقتضي المشاركة في أصل الوصف فتقتضي أن المسلمين لهم حظ من الشر ، وإنما جرى هذا تهكما باليهود لأنهم قالوا للمسلمين : لا دين شر من دينكم ، وهو مما عبر عنه بفعل ﴿ تنقمون ﴾ . وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة كما يقال : ( قلت فأوجبت ) .
والإشارة في قوله ﴿ من ذلك ﴾ إلى الإيمان في قوله : ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ﴾ الخ باعتبار أنه منقوم على سبيلل الفرض . والتقدير : ولما كان شأن المنقوم أن يكون شرا بني عليه التهكم في قوله : ﴿ هل أنبئكم بشر من ذلك ﴾ ، أي مما هو أشد شرا .
والمثوبة مشتقة من ثاب يثوب ، أي رجع ، فهي بوزن مفعولة ، سمي بها الشيء الذي يثوب به المرء إلى منزله إذا ناله جزاء عن عملل عمله أو سعي سعاه ، وأصلها مثوب بها ، اعتبروا فيها التأنيث على تأويلها بالعطية أو الجائزة ثم حذف المتعلق لكثرة الاستعمال .
وأصلها مؤذن بأنها لا تطلق إلا على شيء وجودي يعطاه العامل ويحمله