تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الإيمان بما أنزل إلى محمد فكذلك ، لأن ذلك شيء رضيه المسلمون لأنفسهم وذلك لا يهم أهل الكتاب ، ودعا الرسول إليه أهل الكتاب فمن شاء منهم فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فما وجه النقم منه . وعدي فعل ﴿ تنقمون ﴾ إلى متعلقه بحرف ( من ) ، وهي ابتدائية . وقد يعدى بحرف ( على ) .

وأما عطف قوله تعالى : ﴿ وأن أكثرهم فاسقون ﴾ فقرأه جميع القراء بفتح همزة ( أن ) على أنه معطوف على ﴿ أن آمنا بالله ﴾ .

وقد تحير في تأويلها المفسرون لاقتضاء ظاهرها فسق أكثر المخاطبين مع أن ذلك لا يعترف به أهله ، وعلى تقدير اعترافهم به فذلك ليس مما ينقم على المؤمنين إذ لا عمل للمؤمنين فيه ، وعلى تقدير أن يكون مما ينقم على المؤمنين فليس نقمه عليهم بمحل للإنكار والتعجب الذي هو سياق الكلام .

فذهب المفسرون في تأويل موقع هذا المعطوف مذاهب شتى ؛ فقيل : هو عطف على متعلق ﴿ آمنا ﴾ أي آمنا بالله ، وبفسق أكثركم ، أي تنقمون منا مجموع هذين الأمرين . وهذا يفيت معنى الإنكار التعجبي لأن اعتقاد المؤمنين كون أكثر المخاطبين فاسقون يجعل المخاطبين معذورين في نقمه فلا يتعجب منه ولا ينكر عليهم نقمه ، وذلك يخالف السياق من تأكيد الشيء بما يشبه ضده فلا يلتئم مع المعطوف عليه ، فالجمع بين المتعاطفين حينئذ كالجمع بين الضب والنون ، فهذا وجه بعيد .

وقيل : هو معطوف على المستثنى ، أي ما تنقمون منا إلا إيماننا وفسق أكثركم ، أي تنقمون تخالف حالينا ، فهو نقم حسد ، ولذلك حسن موقع الإنكار التعجبي . وهذا الوجه ذكره في ( الكشاف ) وقدمه وهو يحسن لو لم تكن كلمة ﴿ منا ﴾ لأن اختلاف الحالين لا ينقم من المؤمنين ، إذ ليس من فعلهم ولكن من مصادفة الزمان .

وقيل : حذف مجرور دل عليه المذكور ، والتقدير : هل تنقمون منا إلا الإيمان لأنكم جائرون وأكثركم فاسقون ، وهذا تخريج على أسلوب غير معهود ، إذ لم يعرف حذف المعطوف عليه في مثل هذا . وذكر وجهان آخران غير مرضيين .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ٢٤٤