تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالفاء عاطفة للاستفهام الإنكاري على قولهم : إن الله هو المسيح ، للدلالة على أن الإنكار ترتب على هذا القول الشنيع ، فهي للتعقيب الذكري ، وهذا استعمال كثير في كلامهم ، فلا حاجة إلى ما قيل : إن الفاء عاطفة على محذوف دل عليه السياق ، أي ليس الأمر كما زعمتم ، ولا أنها جواب شرط مقدر ، أي إن كان ما تقولون فمن يملك من الله شيئا ، إلخ .

ومعنى يملك شيئا هنا يقدر على شيء ، فالمركب مستعمل في لازم معناه على طريقة الكناية ، وهذا اللازم متعدد وهو الملك ، فاستطاعة التحويل ، وهو استعمال كثير ومنه قوله تعالى : { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا الآية في سورة الفتح ( 11 ) . وفي الحديث قال رسول الله لعيينة بن حصن أفأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة لأن الذي يملك يتصرف في مملوكه كيف شاء .

فالتنكير في قوله شيئا } للتقليل والتحقير . ولما كان الاستفهام هنا بمعنى النفي كان نفي الشيء القليل مقتضيا نفي الكثير بطريق الأولى ، فالمعنى : فمن يقدر على شيء من الله ، أي من فعله وتصرفه أن يحوله عنه ، ونظيره ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ ( يوسف : 67 ) . وسيأتي لمعنى ( يملك ) استعمال آخر عند قوله تعالى : ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ﴾ ( المائدة : 76 ) في هذه السورة ، وسيأتي قريب من هذا الاستعمال عند قوله تعالى : ﴿ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا في هذه السورة ﴾ ( المائدة : 41 ) .

وحرف الشرط من قوله : ﴿ إن أراد ﴾ مستعمل في مجرد التعليق من غير دلالة على الاستقبال ، لأن إهلاك أم المسيح قد وقع بلا خلاف ، ولأن إهلاك المسيح ، أي موته واقع عند المجادلين بهذا الكلام ، فينبغي إرخاء العنان لهم في ذلك لإقامة الحجة ، وهو أيضا واقع في قول عند جمع من علماء الإسلام الذين قالوا : إن الله أماته ورفعه دون أن يمكن اليهود منه ، كما تقدم عند قوله تعالى : ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ﴾ ( النساء : 157 ) ، وقوله : ﴿ إني متوفيك ورافعك إلي ﴾ ( آل عمران : 55 ) . وعليه فليس في

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ١٥٤