تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن المعلوم أن لا تعمل ذكاة أهل الكتاب ولا إباحة طعامهم فيما حرمه الله علينا بعينه : كالخنزير والدم ، ولا ما حرمه علينا بوصفه ، الذي ليس بذكاة : كالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع ، إذا كانوا هم يستحلون ذلك ، فأما ما كانت ذكاتهم فيه مخالفة لذكاتنا مخالفة تقصير لا مخالفة زيادة فذلك محل نظر كالمضروبة بمحدد على رأسها فتموت ، والمفتولة العنق فتتمزق العروق ، فقال جمهور العلماء : لا يؤكل . وقال أبو بكر ابن العربي من المالكية : تؤكل . وقال في ( الأحكام ) : فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس فالجواب : أن هذه ميتة ، وهي حرام بالنص ، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن ، كالخنزير فإنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا يريد إباحته عند النصارى ثم قال : ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها ؛ هل تؤكل معه أو تؤخذ طعاما منه ، فقلت : تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه ، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا ) . وأشكل على كثير من الناظرين وجه الجمع بين كلامي ابن العربي ، وإنما أراد التفرقة بين ما هو من أنواع قطع الحلقوم ، والأوداج ولو بالخنق ، وبين نحو الخنق لحبس النفس ، ورض الرأس وقول ابن العربي شذوذ .

وقوله : ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ لم يعرج المفسرون على بيان المناسبة بذكر ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ . والذي أراه أن الله تعالى نبهنا بهذا إلى التيسير في مخالطتهم ، فأباح لنا طعامهم ، وأباح لنا أن نطعمهم طعامنا ، فعلم من هذين الحكمين أن علة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم ، وذلك أيضا تمهيد لقوله بعد : ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ لأن ذلك يقتضي شدة المخالطة معهم لتزوج نسائهم والمصاهرة معهم .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ١٢٢