وقد أفاد قوله : ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ مفاد صيغة الحصر ، ولو قيل : فإياي فاخشون لجرى على الأكثر في مقام الحصر ، ولكن عدل إلى جملتي نفي وإثبات : لأن مفاد كلتا الجملتين مقصود ، فلا يحسن طي إحداهما . وهذا من الدواعي الصارفة عن صيغة الحصر إلى الإتيان بصيغتي إثبات ونفي ، كقول السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي :
تسيل على حد الظباتت نفوسنا
وليست على غير الظبات تسيل
ونظيره قوله الآتي ﴿ فلا تخشوا الناس واخشون ﴾ ( المائدة : 44 ) .
﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الأسلام دينا ﴾ .
إن كانت آية ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ نزلت يوم حجة الوداع بعد آية ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ بنحو العامين ، كما قال الضحاك ، كانت جملة مستقلة ، ابتدائية ، وكان وقوعها في القرآن ، عقب التي قبلها ، بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم بجمعها مع نظيرها في إكمال أمر الدين ، اعتقادا وتشريعا ، وكان اليوم المعهود في هذه غير اليوم المعهود في التي قبلها وإن كانتا نزلتا معا يوم الحج الأكبر ، عام حجة الوداع ، وهو ما رواه الطبري عن ابن زيد وآخرين . وفي كلام ابن عطية أنه منسوب إلى عمر بن الخطاب ، وذلك هو الراجح الذي عول عليه أهل العلم وهو الأصل في موافقة التلاوة للنزول ، كان اليوم المذكور في هذه وفي التي قبلها يوما واحدا ، وكانت هذه الجملة تعدادا لمنة أخرى ، وكان فصلها عن التي قبلها جاريا على سنن الجمل التي تساق للتعداد في منة أو توبيخ ، ولأجل ذلك : أعيد لفظ ﴿ اليوم ﴾ ليتعلق بقوله ﴿ أكملت ﴾ ، ولم يستغن بالظرف الذي تعلق بقوله : ﴿ يئس ﴾ فلم يقل : وأكملت لكم دينكم .