الردع عن فعلل ما لا ينبغي ، ومنه سميت حكمة اللجام ، وهي الحديدة التي تجعل في فم الفرس ، ويقال : أحكم فلانا ، أي أمسكه .
والعدل : ضد الجور ، فهو في اللغة التسوية ، يقال : عدل كذا بكذا ، أي سواه به ووازنه عدلا ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ ( الأنعام : 1 ) ، ثم شاع إطلاقه على إيصال الحق إلى أهله ، ودفع المعتدي على الحق عن مستحقه ، إطلاقا ناشئا عما اعتاده الناس أن الجور يصدر من الطغاة الذين لا يعدون أنفسهم سواء مع عموم الناس ، فهم إن شاءوا عدلوا وأنصفوا ، وإن شاءوا جاروا وظلموا ، قال لبيد :
ومقسم يعطي العشيرة حقها
ومغذمر لحقوقها هضامها
فأطلق لفظ العدل الذي هو التسوية على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن ، وذلك فك الشيء من يد المعتدي ، لأنه تظهر فيه التسوية بين المتنازعين ، فهو كناية غالبة . ومظهر ذلك هو الحكم لصاحب الحق بأخذ حقه ممن اعتدى عليه ، ولذلك قال تعالى هنا : ﴿ إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ ، ثم توسعوا في هذا الإطلاق حتى صار يطلق على إبلاغ الحق إلى ربه ولو لم يحصل اعتداء ولا نزاع .
والعدل : مساواة بين الناس أو بين أفراد أمة : في تعيين الأشياء لمستحقها ، وفي تمكين كل ذي حق من حقه ، بدون تأخير ، فهو مساواة في استحقاق الأشياء وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها ، فالأول هو العدل في تعيين الحقوق ، والثاني هو العدل في التنفيذ ، وليس العدل في توزيع الأشياء بين الناس سواء بدون استحقاق .
فالعدل وسط بين طرفين ، هما : الإفراط في تخويل ذي الحق حقه ، أي بإعطائه أكثر من حقه ، والتفريط في ذلك ، أي بالإجحاف له من حقه ، وكلا الطرفين يسمى جورا ، وكذلك الإفراط والتفريط في تنفيذ الإعطاء بتقديمه على وقته ، كإعطاء المال بيد السفيه ، أو تأخيره كإبقاء المال بيد الوصي بعد الرشد ، ولذلك قال تعالى : ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم إلى قوله : فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ ( النساء : 5 ، 6 ) ؛ فالعدل يدخل في جميع المعاملات . وهو حسن في الفطرة لأنه كما يصد المعتدي عن اعتدائه ،