تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من يرى المتيمم جنبا ، ويرى التيمم غير رافع للحدث ، ولكنه مبيح للصلاة للضرورة في الوقت ، وهذا قول الشافعي ، فهو عنده بدل ضروري يقدر بقدر الضرورة ، ودليله ظاهر الاستثناء ، ويحتمل أن يكون منقطعا عند من يرى المتيمم غير جنب ، ويرى التيمم رافعا للحدث حتى ينتقض بناقض ويزول سببه . وهذا قول أبي حنيفة ، فلذلك إذا تيمم الجنب وصلى وصار منه حدث ناقض للوضوء يتوضأ لأن تيممه بدل عن الغسل مطلقا ، وهذا هو الظاهر بحسب المعنى وليس في السنة ما يقتضي خلافه . وعن مالك في ذلك قولان : فالمشهور من رواية ابن القاسم أن التيمم مبيح للصلاة وليس رافعا للحدث ، فلذلك لا يصلي المتيمم به إلا فرضا واحدا ، ولو تيمم لجنابة لعذر يمنع من الغسل وانتقض وضوءه تيمم عن الوضوء . وعن مالك ، في رواية البغداديين : أن المريض الذي لا يقدر على مس الماء يتيمم ويصلي أكثر من صلاة ، حتى ينتقض تيممه بناقض الوضوء ، وكذلك فيمن ذكر فوائت يصليها بتيمم واحد ، فعلى هذا ليس تجديد التيمم لغيرهما إلا لأنه لا يدري لعله يجد الماء فكانت نية التيمم غير جازمة في بقائه ، ولم ينقل عن مالك قول بأن المتيمم للجنابة بعذر مانع من الغسل إذا انتقض وضوءه يتوضأ .

وفي مفهوم هذا الاستثناء ، عند القائلين بالمفاهيم من الجمهور ، على هذا المحمل تفصيل . فعابر السبيل مطلق قيده قوله : ﴿ فلم تجوا ماء فتيمموا ﴾ وبقي عموم قوله ﴿ ولا جنبا ﴾ في غير عابر السبيل ، لأن العام المخصوص يبقى عاما فيما عدا ما خصص ، فخصصه الشرط تخصيصا ثانيا في قوله : ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ . ثم إن كان قد تقرر عند المسلمين أن الصلاة تقع بدون طهارة يبق قوله : ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ مجملا لأنهم يترقبون بيان الحكم في قربان الصلاة على غير طهارة للمسافر ، فيكون في قوله : ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ بيان لهذا الإجمال ، وإن كان ذلك لم يخطر ببالهم فلا إجمال ، ويكون قوله : ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ استئنافا لأحكام التيمم .

وتقديم المستثنى في قوله : ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ قبل تمام الكلام المقصود قصره بقوله : ﴿ حتى تغتسلوا ﴾ للاهتمام وهو جار على استعمال قليل ، كقول موسى بن جابر الحنفي أموي :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ٦٤