والضميران في قوله : ﴿ من أهله ﴾ و ﴿ من أهلها ﴾ عائدان على مفهومين من الكلام : وهما الزوج والزوجة ، واشترط في الحكمين أن يكون أحدهما من أهل الرجل والآخر من أهل المرأة ليكونا أعلم بدخلية أمرهما وأبصر في شأن ما يرجى من حالهما ، ومعلوم أنه يشترط فيهما الصفات التي تخولهما الحكم في الخلاف بين الزوجين . قال ملك : إذا تعذر وجود حكمين من أهلهما فيبعث من الأجانب ، قال ابن الفرس : ( فإذا بعث الحاكم أجنبيين مع وجود الأهل فيشبه أن يقال ينتقض الحكم لمخالفة النص ، ويشبه أن يقال ماض بمنزلة ما لو تحاكموا إليهما ) . قلت : والوجه الأول أظهر . وعند الشافعية كونهما من أهلهما مستحب فلو بعثا من الأجانب مع وجود الأقارب صح .
والآية دالة على وجوب بعث الحكمين عند نزاع الزوجين النزاع المستمر المعبر عنه بالشقاق ، وظاهرها أن الباعث هو الحاكم وولي الأمر ، لا الزوجان ، لأن فعل ﴿ ابعثوا ﴾ مؤذن بتوجيههما إلى الزوجين ، فلو كانا معينين من الزوجين لما كان لفعل البعث معنى . وصريح الآية : أن المبعوثين حكمان لا وكيلان ، وبذلك قال أيمة العلماء من الصحابة والتابعين . وقضى به عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وقاله ابن عباس ، والنخعي ، والشعبي ، ومالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وإسحاق . وعلى قول جمهور العلماء فما قضى به الحكمان من فرقة أو بقاء أو مخالعة يمضي ، ولا مقال للزوجين في ذلك لأن ذلك معنى التحكيم ، نعم لا يمنع هؤلاء من أن يوكل الزوجان رجلين على النظر في شؤونهما ، ولا من أن يحكما حكمين على نحو تحكيم القاضي . وخالف في ذلك ربيعة فقال : لا يحكم إلا القاضي دون الزوجين ، وفي كيفية حكمهما وشروطه تفصيل في كتب الفقه .
وتأولت طائفة قليلة هذه الآية على أن المقصود بعث حكمين للإصلاح بين الزوجين وتعيين وسائل الزجر للظالم منهما ، كقطع النفقة عن المرأة مدة حتى يصلح حالها ، وأنه ليس للحكمين التطليق إلا برضا الزوجين ، فيصيران وكيلين ، وبذلك قال أبو حنيفة ، وهو قول للشافعي ، فيريد أنهما بمنزلة الوكيل الذي يقيمه القاضي عن الغائب . وهذا صرف للفظ الحكمين عن ظاهره ، فهو من التأويل . والباعث على تأويله عند أبي حنيفة : أن الأصل أن التطليق بيد الزوج ، فلو رأى الحكمان التطليق عليه وهو كاره كان ذلك