تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شبها بالباطل ، إذ التبرعات كلها أكل أموال عن طيب نفس ، والمعاوضات غير التجارات كذلك لأن أخذ كلا المتعاوضين عوضا عما بذله للآخر مساويا لقيمته في نظره يطيب نفسه . وأما التجارة فلأجل ما فيها من أخذ المتصدي للتجر ما لا زائدا على قيمة ما بذله للمشتري قد تشبه أكل المال بالباطل فلذلك خصت بالاستدراك أو الاستثناء . وحكمة إباحة أكل المال الزائد فيها أن عليها مدار رواج السلع الحاجية والتحسينية ، ولولا تصدي التجار وجلبهم السلع لما وجد صاحب الحاجة ما يسد حاجته عند الاحتياج . ويشير إلى هذا ما في ( الموطأ ) عن عمر بن الخطاب أنه قال : في احتكار الطعام ( ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء ويمسك كيف شاء ) .

وقرأ الجمهور : ﴿ إلا أن تكون تجارة ﴾ برفع تجارة على أنه فاعل لكان من كان التامة ، أي تقع . وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف بنصب تجارة على أنه خبر كان الناقصة ، وتقدير اسمها : إلا أن تكون الأموال تجارة ، أي أموال تجارة .

وقوله : ﴿ عن تراض منكم ﴾ صفة ل ( تجارة ) ، و ( عن ) فيه للمجاوزة ، أي صادرة عن التراضي وهو الرضا من الجانبين بما يدل عليه من لفظ أو عرف . وفي الآية ما يصلح أن يكون مستندا لقول مالك من نفي خيار المجلس : لأن الله جعل مناط الانعقاد هو التراضي ، والتراضي يحصل عند التبايع بالإيجاب والقبول .

وهذه الآية أصل عظيم في حرمة الأموال ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس ) . وفي خطبة حجة الوداع ( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) .

وتقديم النهي عن أكل الأموال على النهي عن قتل الأنفس ، مع أن الثاني أخطر ، إما لأن مناسبة ما قبله أفضت إلى النهي عن أكل الأموال فاستحق التقديم لذلك ، وإما لأن المخاطبين كانوا قريبي عهد بالجاهلية ، وكان أكل الأموال أسهل عليهم ، وهم أشد استخفافا به منهم بقتلل الأنفس ، لأنه كان يقع في مواقع الضعف حيث لا يدفع صاحبه عن نفسه كاليتيم والمرأة والزوجة . فآكل أموال هؤلاء في مأمن من التبعات

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ٢٤