تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا ذكر نشوز البعل . والبعل زوج المرأة . وقد تقدم وجه إطلاق هذا الاسم عليه في قوله ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ﴾ في سورة البقرة ( 228 ) .

وصيغة ﴿ فلا جناح ﴾ من صيغ الإباحة ظاهرا ، فدل ذلك على الإذن للزوجين في صلح يقع بينهما . وقد علم أن الإباحة لا تذكر إلا حيث يظن المنع ، فالمقصود الإذن في صلح يكون بخلع : أي عوض مالي تعطيه المرأة ، أو تنازل عن بعض حقوقها ، فيكون مفاد هذه الآية أعم من مفاد قوله تعالى : ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ ( البقرة : 229 ) ، فسماه هناك افتداء ، وسماه هنا صلحا . وقد شاع في الاستعمال إطلاق الصلح على التراضي بين الخصمين على إسقاط بعض الحق ، وهو الأظهر هنا . واصطلح الفقهاء من المالكية : على إطلاق الافتداء على اختلاع المرأة من زوجها بمال تعطيه ، وإطلاق الخلع على الاختلاع بإسقاطها عنه بقية الصداق ، أو النفقة لها ، أو لأولادها .

ويحتمل أن تكون صيغة ﴿ لا جناح ﴾ مستعملة في التحريض على الصلح ، أي إصلاح أمرهما بالصلح وحسن المعاشرة ، فنفي الجناح من الاستعارة التمليحية ؛ شبه حال من ترك الصلح واستمر على النشوز والإعراض بحال من ترك الصلح عن عمد لظنه أن في الصلح جناحا . فالمراد الصلح بمعنى إصلاح ذات البين ، والأشهر فيه أن يقال الإصلاح . والمقصود الأمر بأسباب الصلح ، وهي : الإغضاء عن الهفوات ، ومقابلة الغلظة باللين ، وهذا أنسب وأليق بما يرد بعده من قوله : ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ﴾ .

وللنشوز والإعراض أحوال كثيرة : تقوى وتضعف ، وتختلف عواقبها ، . باختلاف أحوال الأنفس ، ويجمعها قوله : ﴿ خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ﴾ . وللصلح أحوال كثيرة : منها المخالعة ، فيدخل في ذلك ما ورد من الآثار الدالة على حوادث من هذا القبيل . ففي ( صحيح البخاري ) ، عن عائشة ، قالت في قوله تعالى : ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا ﴾ قالت : الرجل يكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها ، فتقول له أجعلك من شأني في حل . فنزلت هذه الآية . وروى الترمذي ، بسند حسن عن ابن عباس ، أن سودة أم المؤمنين وهبت يومها لعائشة ، وفي أسباب النزول للواحدي :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ٢١٥