تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا تزول تزول عن متخمط

تخشى بوادره على الأقران

وقوله تعالى : ﴿ ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ﴾ ( القصص : 63 ) والمقصد من التعرض لإرادة الذين يتبعون الشهوات تنبيه المسلمين إلى دخائل أعدائهم ، ليعلموا الفرق بين مراد الله من الخلق . ومراد أعوان الشياطين ، وهم الذين يتبعون الشهوات . ولذلك قدم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ ليدل على التخصيص الإضافي . أي الله وحده هو الذي يريد أن يتوب عليكم ، أي يحرضكم على التوبة والإقلاع عن المعاصي ، وأما الذين يتبعون الشهوات فيريدون انصرافكم عن الحق ، وميلكم عنه إلى المعاصي . وإطلاق الإرادة على رغبة أصحاب الشهوات في ميل المسلمين عن الحق لمشاكلة ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ ( النساء : 26 ) . والمقصود : ويحب الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا . ولما كانت رغبتهم في ميل المسلمين عن الحق رغبة لا تخلو عن سعيهم لحصول ذلك ، أشبهت رغبتهم إرادة المريد للفعل ، ونظيره قوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾ ( النساء : 44 ) .

وحذف متعلق ﴿ تميلوا ﴾ لظهوره من قرينة المقام ، وأراد بالذين يتبعون الشهوات الذين تغلبهم شهواتهم على مخالفة ما شرعه الله لهم : من الذين لا دين لهم ، وهم الذين لا ينظرون في عواقب الذنوب ومفاسدها وعقوبتها ، ولكنهم يرضون شهواتهم الداعية إليها . وفي ذكر هذه الصلة هنا تشنيع لحالهم ، ففي الموصول إيماء إلى تعليل الخبر . والمراد بهم المشركون : أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح أزواج الآباء ، واليهود أرادوا أن يتبعوهم في نكاح الأخوات من الأب ونكاح العمات والجمع بين الأختين . والميل العظيم هو البعد عن أحكام الشرع والطعن فيها . فكان المشركون يحببون للمسلمين الزنى ويعرضون عليهم البغايا . وكان المجوس يطعنون في تحريم ابنة الأخ وابنة الأخت ويقولون : لماذا أحل دينكم ابنة العمة وابنة الخالة . وكان اليهود يقولون : لا تحرم الأخت التي للأب ولا تحرم العمة ولا الخالة ولا العم ولا الخال . وعبر عن جميع ذلك بالشهوات لأن مجيء الإسلام قد بين انتهاء إباحة ما أبيح في الشرائع الأخرى ، بله ما كان حراما في الشرائع كلها وتساهل فيه أهل الشرك .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ٢١