لما افتضح أمره ارتد ولحق بمكة ، ويحتمل أن يكون مرادا به من بعد ما ظهر صدق الرسول بالمعجزات ، ولكنه شاقه عنادا ونواء للإسلام .
وسبيل كل قوم طريقتهم التي يسلكونها في وصفهم الخاص ، فالسبيل مستعار للاعتقادات والأفعال والعادات ، التي يلازمها أحد ولا يبتغي التحول عنها ، كما يلازم قاصد المكان طريقا يبلغه إلى قصده ، قال تعالى : ﴿ قل هذه سبيلي ﴾ ( يوسف : 108 ) ومعنى هذه الآية نظير معنى قوله : ﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم ﴾ ( محمد : 32 ) ، فمن اتبع سبيل المؤمنين في الإيمان واتبع سبيل غيرهم في غير الكفر مثل اتباع سبيل يهود خبير في غراسة النخيل ، أو بناء الحصون ، لا يحسن أن يقال فيه اتبع غير سبيل المؤمنين . وكأن فائدة عطف اتباع غير سبيل المؤمنين على مشاقة الرسول الحيطة لحفظ الجامعة الإسلامية بعد الرسول ، فقد ارتد بعض العرب بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وقال الحطيئة في ذلك :
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا
فيا لعباد الله ما لأبي بكر
فكانوا ممن اتبع غير سبيل المؤمنين ولم يشاقوا الرسول .
ومعنى قوله : ﴿ نوله ما تولى ﴾ الإعراض عنه ، أي نتركه وشأنه لقلة الاكتراث به ، كما ورد في الحديث ( وأما الآخر فأعرض الله عنه ) .
وقد شاع عند كثير من علماء أصول الفقه الاحتجاج بهذه الآية ، لكون إجماع علماء الإسلام على حكم من الأحكام حجة ، وأول من احتج بها على ذلك الشافعي . قال الفخر : ( روي أن الشافعي سئل عن آية في كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد هذه الآية . وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا . بيان المقدمة الأولى : أنه تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين ، ومشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد ، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجبا له ، لكان ذلك ضما لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد ، وأنه غير جائز ، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجبا ) . وقد قرر