تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو معنى قول أبي عبيدة : ( عسى من الله إيجاب ) وقول كثير من العلماء : أن عسى ولعل في القرآن لليقين ، ومرادهم إذا أسند إلى الله تعالى بخلاف نحو قوله : ﴿ وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا ﴾ ( الكهف : 24 ) .

ومثل هذا ما قالوه في وقوع حرف ( إن ) الشرطية في كلام الله تعالى ، مع أن أصلها أن تكون للشرط المشكوك في حصوله .

وقد اتفق العلماء على أن حكم هذه الآية انقضى يوم فتح مكة لأن الهجرة كانت واجبة لمفارقة أهل الشرك وأعداء الدين ، وللتمكن من عبادة الله دون حائل يحول عن ذلك ، فلما صارت مكة دار إسلام ساوت غيرها ، ويؤيده حديث : ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) فكان المؤمنون يبقون في أوطانهم إلا المهاجرين يحرم عليهم الرجوع إلى مكة . وفي الحديث : ( أللهم أمضض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ) قاله بعد أن فتحت مكة . غير أن القياس على حكم هذه الآية يفتح للمجتهدين نظرا في أحكام وجوب الخروج من البلد الذي يفتن فيه المؤمن في دينه ، وهذه أحكام يجمعها ستة أحوال :

الحالة الأولى : أن يكون المؤمن ببلد يفتن فيه في إيمانه فيرغم على الكفر وهو يستطيع الخروج ، فهذا حكمه حكم الذين نزلت فيهم الآية ، وقد هاجر مسلمون من الأندلس حين أكرههم النصارى على التنصر ، فخرجوا على وجوههم في كل واد تاركين أموالهم وديارهم ناجين بأنفسهم وإيمانهم ، وهلك فريق منهم في الطريق وذلك في سنة 902 وما بعدها إلى أن كان الجلاء الأخير سنة 1016 .

الحالة الثانية : أن يكون ببلد الكفر غير مفتون في إيمانه ولكن يكون عرضة للإصابة في نفسه أو ماله بأسر أو قتل أو مصادرة مال ، فهذا قد عرض نفسه للضر وهو حرام بلا نزاع ، وهذا مسمى الإقامة ببلد الحرب المفسرة بأرض العدو .

الحالة الثالثة : أن يكون ببلد غلب عليه غير المسلمين إلا أنهم لم يفتنوا الناس في إيمانهم ولا في عباداتهم ولا في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، ولكنه بإقامته تجري عليه أحكام غير المسلمين إذا عرض له حادث مع واحد من أهل ذلك البلد الذين هم

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ١٧٨