مما ألحق بهذه السورة إكمالا للأحكام المتعلقة بالإماء كما هو و اقع في نظائر عديدة ، كما تقدم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . وهذه الآية تحير فيها المتأولون لاقتضائها أن لا تحد الأمة في الزنى إلا إذا كانت متزوجة ، فتأولها عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وابن عمر بأن الإحصان هنا الإسلام ، ورأوا أن الأمة تحد في الزنا سواء كانت متزوجة أم عزبى ، وإليه ذهب الأيمة الأربعة . ولا أظن أن دليل الأيمة الأربعة هو حمل الإحصان هنا على معنى الإسلام ، بل ما ثبت في ( الصحيحين ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ؛ فأوجب عليها الحد . قال ابن شهاب فالأمة المتزوجة محدودة بالقرآن ، والأمة غير المتزوجة محدودة بالسنة . ونعم هذا الكلام . قال القاضي إسماعيل بن إسحاق : في حمل الإحصان في الآية على الإسلام بعد ؛ لأن ذكر إيمانهن قد تقدم في قوله : ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ وهو تدقيق ، وإن أباه ابن عطية .
وقد دلت الآية على أن حد الأمة الجلد ، ولم تذكر الرجم ، فإذا كان الرجم مشروعا قبل نزولها دلت على أن الأمة لا رجم عليها ، وهو مذهب الجمهور ، وتوقف أبو ثور في ذلك ، وإن كان الرجم قد شرع بعد ذلك فلا تدل الآية على نفي رجم الأمة ، غير أن قصد التنصيف في حدها يدل على أنها لا يبلغ بها حد الحرة ، فالرجم ينتفي لأنه لا يقبل التجزئة ، وهو ما ذهل عنه أبو ثور . وقد روي عن عمر بن الخطاب : أنه سئل عن حد الأمة فقال : ( الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار ) أي ألقت في بيت أهلها قناعها ، أي أنها تخرج إلى كل موضع يرسلها أهلها إليه لا تقدر على الامتناع من ذلك ، فتصير إلى حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور ، قالوا : فكان يرى أن لا حد عليها إذا فجرت ما لم تتزوج ، وكأنه رأى أنها إذا تزوجت فقد منعها زوجها . وقوله هذا وإن كان غير المشهور عنه ، ولكننا ذكرناه لأن فيه للمتبصر بتصريف الشريعة عبرة في تغليظ العقوبة بمقدار قوة الخيانة وضعف المعذرة .
وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب : ﴿ أحصن ﴾ بضم الهمزة وكسر الصاد مبنيا للنائب ، وهو بمعنى محصنات المفتوح الصاد . وقرأه حمزة ، والكسائي وأبو بكر عن عاصم ، وخلف : بفتح الهمزة وفتح الصاد ، وهو معنى محصنات بكسر الصاد .