وجملة ﴿ لست مؤمنا ﴾ مقول ﴿ لا تقولوا ﴾ . وقرأ الحمهور : ﴿ مؤمنا ﴾ بكسر الميم الثانية بصيغة اسم الفاعل ، أي لا تنفوا عنه الإيمان وهو يظهره لكم ، وقرأه ابن وردان عن أبي جعفر بفتح الميم الثانية بصيغة اسم المفعول ، أي لا تقولوا له لست محصلا تأميننا إياك ، أي إنك مقتولا أو مأسور . و ﴿ عرض الحياة ﴾ : متاح الحياة ، والمراد به الغنيمة فعبر عنها ب ﴿ عرض الحياة ﴾ تحقيرا لها بأنها نفع عارض زائل .
وجملة ﴿ تبتغون ﴾ حالية ، أي ناقشتموه في إيمانه خشية أن يكون قصد إحراز ماله ، فكان عدم تصديقه آئلا إلى ابتغاء غنيمة ماله ، فأوخذوا بالمآل . فالمقصود من هذا القيد زيادة التوبيخ ، مع العلم بأنه لو قال لمن أظهر الإسلام : لست مؤمنا ، وقتله غير آخذ منه مالا لكان حكمه أولى ممن قصد أخذ الغنيمة ، والقيد ينظر إلى سبب النزول ، والحكم أعم من ذلك . وكذلك قوله : ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ أي لم يحصر الله مغانمكم في هذه الغنيمة .
وزاد في التوبيخ قوله : ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ أي كنتم كفارا فدخلتم الإسلام بكلمة الإسلام ، فلو أن أحدا أبى أن يصدقكم في إسلامكم أكان يرضيكم ذلك . وهذه تربية عظيمة ، وهي أن يستشعر الإنسان عند مؤاخذته غيره أحوالا كان هو عليها تساوي أحوال من يؤاخذه ، كمؤاخذة المعلم التلميذ بسوء إذا لم يقصر في إعمال جهده . وكذلك هي عظة لمن يمتحنون طلبة العلم فيعتادون التشديد عليهم وتطلب عثراتهم ، وكذلك ولاة الأمور وكبار الموظفين في معاملة من لنظرهم من صغار الموظفين ، وكذلك الآباء مع أبنائهم إذا بلغت بهم الحماقة أن ينتهروهم على اللعب المعتاد أو على الضجر من الآلام .
وقد دلت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية ، وهي بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة ، وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه إذا فتح هذا الباب عسر سده ، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه ، وبذلك ترتفع الثقة ، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق ، إذ قد أصبحت التهمة تظل الصادق والمنافق ، وانظر معاملة النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة المسلمين . على أن هذا الدين سريع السريان في القلوب فيكتفي أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة ، إذ لا يلبثون أن يألفوه ،