ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } ( الفرقان : 68 ، 69 ) . والحق أن محل التأويل ليس هو تقدم النزول أو تأخره ، ولكنه في حمل مطلق الآية على الأدلة التي قيدت جميع أدلة العقوبات الأخروية بحالة عدم التوبة . فأما حكم الخلود فحمله على ظاهره أو على مجازه ، وهو طول المدة في العقاب ، مسألة أخرى لا حاجة إلى الخوض فيها حين الخوضض في شأن توبة القاتل المتعمد ، وكيف يحرم من قبول التوبة ، والتوبة من الكفر ، وهو أعظم الذنوب مقبولة ، فكيف بما هو دونه من الذنوب .
وحمل جماعة مراد ابن عباس على قصد التهويل والزجر ، لئلا يجترىء الناس على قتل النفس عمدا ، ويرجون التوبة ، ويعضدون ذلك بأن ابن عباس روي عنه أنه جاءه رجل فقال : ( ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة ) فقال : ( لا إلا النار ) ، فلما ذهب قال له جلساؤه ( أهكذا كنت تفتينا فقد كنت تقول إن توبته مقبولة ) فقال : ( إني لأحسب السائل رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا ) ، قل : فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك . وكان ابن شهاب إذا سأله عن ذلك من يفهم منه أنه كان قتل نفسا يقول له : ( توبتك مقبولة ) وإذا سأله من لم يقتل ، وتوسم من حاله أنه يحاول قتل نفس ، قال له : لا توبة للقاتل .
وأقول : هذا مقام قد اضطربت فيه كلمات المفسرين كما علمت ، وملاكه أن ما ذكره الله هنا في وعيد قاتل النفس قد تجاوز فيه الحد المألوف من الإغلاظ ، فرأى بعض السلف أن ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره ، دون تأويل ، لشدة تأكيده تأكيدا يمنع من حمل الخلود على المجاز ، فيثبت للقاتل الخلود حقيقة ، بخلاف بقية آي الوعيد ، وكأن هذا المعنى هو الذي جعلهم يخوضون في اعتبار هذه الآية محكمة أو منسوخة ، لأنهم لم يجدوا ملجأ آخر يأوون إليه في حملها على ما حملت عليه آيات الوعيد : من محامل التأويل ، أو الجمعع بين المتعارضات ، فآووا إلى دعوى نسخخ نصها بقوله تعالى في سورة الفرقان ( 68 ، 69 ) : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله إلا من تاب لأن قوله : ومن يفعل ذلك إما أن يراد به مجموع الذنوب المذكورة ، فإذا كان فاعل مجموعها تنفعه التوبة ففاعل بعضها وهو القتل عمدا أجدر ، وإما أن يراد فاعل واحدة منها فالقتل عمدا مما عد معها . ولذا قال ابن عباس لسعيد بن جبير : إن آية النساء آخر آية نزلت وما نسخها شيء . ومن العجب أن يقال