يقولون : هذه من عند محمد ، فيكون الإتيان بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي والمحكي له ، وهو وجه مطروق في حكاية كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه لذلك المخاطب . ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى : ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم ﴾ ( المائدة : 117 ) . والمأمور به هو : أن اعبدوا الله ربك وربهم . وورد أن قائل ذلك هم اليهود ، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام السابق ، لأن المعني به معروفون في وقت نزول الآية ، وقديما قيل لأسلافهم ﴿ وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ﴾ ( الأعراف : 131 ) . والمراد بالحسنة والسيئة هنا ما تعارفه العرب من قبل اصطلاح الشريعة أعني الكائنة الملائمة والكائنة المنافرة ، كقولهم : ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ﴾ ( الأعراف : 131 ) وقوله : ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ ( البقرة : 201 ) ، وتعلق فعل الإصابة بهما دليل على ذلك ، أما الحسنة والسيئة بالاصطلاح الشرعي ، أعني الفعل المثاب عليه والفعل المعاقب عليه ، فلا محمل لهما هنا إذ لا يكونان إصابتين ، ولا تعرف إصابتهما لأنهما اعتباران شرعيان . وقيل : كان اليهود يقولون : ( لما جاء محمد المدينة قلت الثمار ، وغلت الأسعار ) . فجعلوا كون الرسول بالمدينة هو المؤثر في حدوث السيئات ، وأنه لولاه لكانت الحوادث كلها جارية على ما يلائمهم ، ولذلك جيء في حكاية كلامهم بما يدل على أنهم أرادوا هذا المعنى ، وهو كلمة ( عند ) في الموضعين : ﴿ هذه من عند الله هذه من عندك ﴾ ؛ إذ العندية هنا عندية التأثير التام بدليل التسوية في التعبير ، فإذا كان ما جاء من عند الله معناه من تقديره وتأثير قدرته ، فكذلك مساويه وهو ما جاء من عند الرسول . وفي ( البخاري ) عن ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء ، وهذا يقتضي أن فعل ذلك من مهاجرة العرب : يقولونه إذا أرادوا الارتداد وهم أهل جفاء وغلظة ، فلعل فيهم من شافه الرسول بمثل قولهم : ﴿ هذه من عندك ﴾ . ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ في اعتقادهم أنه الذي ساقها إليهم وأتحفهم بها لما هو معتاده من الإكرام لهم ، وخاصة إذا كان قائل ذلك اليهود . ومعنى ﴿ من عندك ﴾ أي من شؤم قدومك ، لأن الله لا يعاملهم إلا بالكرامة ، ولكنه صار يتخولهم بالإساءة لقصد أذى المسلمين فتلحق الإساءة اليهود من جراء المسلمين على حد ﴿ واتقوا فتنة ﴾ ( الأنفال : 25 ) الآية .
تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ١٣٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ١٣٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي