وهذا هو الملائم للإخبار عنهم بأنهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد . وتأويل وصفهم بقوله ﴿ منهم ﴾ : أي من الذين قيل لهم : كفوا أيديكم ، وهذا على غموضه هو الذي ينسجم مع أسلوب بقية الكلام في قوله : ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ وما بعده ، كما سيأتي ، أما على قول السدي فلا حاجة إلى تأويل الآية .
فالاستفهام في قوله : ﴿ ألم تر ﴾ للتعجيب ، وقد تقدمت نظائره . والمتعجب منهم ليسوا هم جميع الذين قيل لهم في مكة : كفوا أيديكم ، بل فريق آخر من صفتهم أنهم يخشون الناس كخشية الله . وإنما علق التعجيب بجميع الذين قيل لهم باعتبار أن فريقا منهم حالهم كما وصف ، فالتقدير : ألم تر إلى فريق من الذين قيل لهم : كفوا أيديكم .
والقول في تركيب قوله : ﴿ كخشية الله أو أشد خشية ﴾ كالقول في نظيره ، وهو قوله تعالى : ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ﴾ في سورة البقرة ( 200 ) .
وقولهم : ﴿ ربنا لم كتبت علينا القتال ﴾ إنما هو قولهم في نفوسهم على معنى عدم الاهتداء لحكمة تعليل الأمر بالقتال وظنهم أن ذلك بلوى . ( والأجل القريب ) مدة متأخرة ريثما يتم استعدادهم ، مثل قوله : ﴿ فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق ﴾ ( المنافقون : 10 ) . وقيل : المراد من ( الأجل ) العمر ، . بمعنى لولا أخرتنا إلى أن تنقضي آجالنا دون قتال ، فيصير تمنيا لانتفاء فرض القتال ، وهذا بعيد لعدم ملائمته لسياق الكلام ، إذ ليس الموت في القتال غير الموت بالأجل ، ولعدم ملاءمته لوصفه بقريب ، لأن أجل المرء لا يعرف أقريب هو أم بعيد إلا إذا أريد تقليل الحياة كلها . وعلى كلا الوجهين فالقتال المشار إليه هنا هو أول قتال أمروا به ، والآية ذكرتهم بذلك في وقت نزولها حين التهيؤ للأمر بفتح مكة . وقال السدي : أريد بالفريق بعض من قبائل العرب دخلوا في الإسلام حديثا قبل أن يكون القتال من فرائضه وكانوا يتمنون أن يقاتلوا فلما كتب عليهم القتال جبنوا لضعف إيمانهم ، ويكون القتال الذين خافوه هو غزو مكة ، وذلك أنهم خشوا بأس المشركين .
وقولهم : ﴿ ربنا لم كتبت علينا القتال ﴾ يحتمل أن يكون قولا في نفوسهم ، ويحتمل أنه مع ذلك قول بأفواههم ، ويبدو هو المتعين إذا كان المراد بالفريق فريق المنافقين ؛ فهم يقولون : ربنا لم كتبت علينا القتال بألسنتهم علنا ليوقعوا الوهن في قلوب المستعدين له