تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يرضون بحكمه ، ونحن قد أمرنا نبيئنا بقتل أنفسنا ففعلنا وبلغت القتلى منا سبعين ألفا ؛ فقال ثابت بن قيس بن شماس : لو كتب ذلك علينا لفعلنا ، فنزلت هذه الآية تصديقا لثابت بن قيس ، ولا يخفى بعده عن السياق لأنه لو كان كذلك لما قيل ﴿ ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ بل قيل : لفعله فريق منهم . وقال الفخر : هي توبيخ للمنافقين ، أي لو شددنا عليهم التكليف لما كان من العجب ظهور عنادهم ، ولكنا رحمناهم بتكليفهم اليسر فليتركوا العناد . وهي على هذا الوجه تصلح لأن تكون تحريضا للمؤمنين على امتثال الرسول وانتفاء الحرج عنهم من أحكامه ، فإنه لم يكلفهم إلا اليسر ، كل هذا محمول على أن المراد بقتل النفوس أن يقتل أحد نفسه بنفسه .

وعندي أن ذكر ذلك هنا من براعة المقطع تهيئة لانتقال الكلام إلى التحريض على الجهاد الآتي في قوله : ﴿ يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ ( النساء : 71 ) وأن المراد ب ﴿ اقتلوا أنفسكم ﴾ : ليقتل بعضكم بعضا فإن المؤمنين يقاتلون قومهم وأقاربهم من المشركين في الجهاد المأمور به بدليل قوله : ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ الآية . والمراد بالخروج من الديار الهجرة ، أي كتبنا عليهم هجرة من المدينة ، وفي هذا تنويه بالمهاجرين والمجاهدين .

وقرأ الجمهور ﴿ إلا قليل ﴾ بالرفع على البدل من الواو في ﴿ ما فعلوه ﴾ على الاستثناء . وقرأه ابن عامر بالنصب على أحد وجهي الاستثناء من الكلام المنفي .

ومعنى ﴿ ما يوعظون به ﴾ علم من قوله : ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ ( النساء : 63 ) ، أي ما يؤمرون به أمر تحذير وترقيق ، أي مضمون ما يوعظون لأن الوعظ هو الكلام والأمر ، والمفعول هو المأمور به ، أي لو فعلوا كل ما يبلغهم الرسول ، ومن ذلك الجهاد والهجرة . وكونه خيرا أن فيه خير الدنيا لأن الله يعلم وهم لا يعلمون .

ومعنى كونه ﴿ أشد تثبيتا ﴾ يحتمل أنه التثبيت على الإيمان وبذلك فسروه ويحتمل عندي أنه أشد تثبيتا لهم ، أي لبقائهم بين أعدائهم ولعزتهم وحياتهم الحقيقية فإنهم إنما يكرهون القتال استبقاء لأنفسهم ، ويكرهون المهاجرة حبا لأوطانهم ، فعلمهم الله أن الجهاد والتغرب فيه أو في غيره أشد تثبيتا لهم ، لأنه يذود عنهم أعداءهم ، كما قال الحصين بن الحمام :

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد

لنفسي حياة مثل أن أتقدما

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ١١٤