تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وورد أنه لما شج وجهه يوم أحد قال له أصحابه : لو دعوت عليهم ، فقال : إني لم أبعث لعانا ، ولكني بعثت داعيا ورحمة ، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون . وما ثبت من خلقه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا ينتقم لنفسه .

وأغرب جماعة فقالوا نزل قوله : ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ نسخا لما كان يدعو به النبيء صلى الله عليه وسلم في قنوته على رعل ، وذكوان ، وعصية ، ولحيان ، الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ، وسندهم في ذلك ما وقع في ( البخاري ) أن النبيء صلى الله عليه وسلم لم يزل يدعو عليهم ، حتى أنزل الله : ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ . قال ابن عطية : وهذا كلام ضعيف كله وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ . وكيف يصح أن تكون نزلت لنسخ ذلك وهي متوسطة بين علل النصر الواقع يوم بدر . وتفسير ما وقع في ( صحيح البخاري ) من حديث أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء على المشركين بعد نزول هذه الآية أخذا بكامل الأدب ، لأن الله لما أعلمه في هذا بما يدل على أن الله أعلم بما فيه نفع الإسلام ، ونقمة الكفر ، ترك الدعاء عليهم إذ لعلهم أن يسلموا . وإذ جعلنا دعاءه صلى الله عليه وسلم على قبائل من المشركين في القنوت شرعا تقرر بالاجتهاد في موضع الإباحة لأن أصل الدعاء على العدو مباح ، فتركه لذلك بعد نزول هذه الآية ، من قبيل النسخ بالقياس ، نسخت حكم الإباحة التي هي استواء الفعل والترك بإثبات حكم أولوية الفعل .

ومنهم من أبعد المرمى ، وزعم أن قوله : ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ منصوب بأن مضمرة وجوبا ، وأن ( أو ) بمعنى حتى : أي ليس لك من أمر إيمانهم شيء حتى يتوب الله عليهم ، أي لا يؤمنون إلا إذا تاب عليهم ، وهل يجهل هذا أحد حتى يحتاج إلى بيانه ، على أن الجملة وقعت بين علل النصر ، فكيف يشتت الكلام ، وتنتثر المتعاطفات .

ومنهم من جعل ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ عطفا على قوله ﴿ الأمر ﴾ أو على قوله ﴿ شيء ﴾ ، من عطف الفعل على اسم خالص بإضمار أن على سبيل الجواز ، أي ليس لك من أمرهم أو توبتهم شيء ، أو ليس لك من الأمر شيء أو توبة عليهم .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٨٢