تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بما يدل على العفو عنهم ، ثم أردف بما يدل على عقابهم ، ففي بعض هذه الأحوال إرضاء له من جانب الانتصار له ، وفي بعضها إرضاء له من جانب تطويعهم له . ولأجل هذا المقصد عاد الكلام إلى بقية عقوبات المشركين بقوله تعالى : ﴿ أو يعذبهم ﴾ .

ولكون التذكير بيوم بدر وقع في خلال الإشارة إلى وقعة أحد ، كأن في هذا التقسيم إيماء إلى ما يصلح بيانا لحكمة الهزيمة اللاحقة المسلمين يوم أحد ، إذ كان في استبقاء كثير من المشركين ، لم يصبهم القتل يومئذ ، ادخار فريق عظيم منهم للإسلام فيما بعد ، بعد أن حصل رعبهم من المسلمين بوقعة بدر ، وإن حسبوا للمسلمين أي حساب بما شاهدوه من شجاعتهم يوم أحد ، وإن لم ينتصروا . ولا يستقيم أن يكون قوله : ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ متعلقا بأحوال يوم أحد : لأن سياق الكلام ينبو عنه ، وحال المشركين يوم أحد لا يناسبه قوله : ﴿ ليقطع طرفا من الذين كفروا ﴾ إلى قوله : ﴿ خائبين ﴾ .

ووقع في ( صحيح مسلم ) ، عن أنس بن مالك : أن النبيء صلى الله عليه وسلم شج وجهه ، وكسرت رباعيته يوم أحد ، وجاء المسلمون يمسحون الدم عن وجه نبيهم ، فقال النبيء عليه السلام : ( كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ) أي في حال أنه يدعوهم إلى الخير عند ربهم ، فنزلت الآية ، ومعناه : لا تستبعد فلاحهم . ولا شك أن قوله فنزلت هذه الآية متأول على إرادة : : فذكر النبيء صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ، لظهور أن ما ذكروه غير صالح لأن يكون سببا لأن النبيء تعجب من فلاحهم أو استبعده ، ولم يدع لنفسه شيئا ، أو عملا ، حتى يقال : ( ليس لك من الأمر شيء ) . وروى الترمذي : أن النبيء صلى الله عليه وسلم دعا على أربعة من المشركين ، وسمى أناسا ، فنزلت هذه الآية لنهيه عن ذلك ، ثم أسلموا . وقيل : إنه هم بالدعاء ، أو استأذن الله أن يدعو عليهم بالاستيصال ، فنهى . ويرد هذه الوجوه ما في ( صحيح مسلم ) ، عن ابن مسعود ، قال : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيئا من الأنبياء ضربه قومه ، وهو يمسح الدم عن وجهه ، وهو يقول : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٨١