تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( البر حسن الخلق والإثمم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس ) رواه مسلم .

ومقابلة البر بالإثم تدل على أن البر ضد الإثم . وتقدم عند قوله تعالى : ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ﴾ ( البقرة : 177 ) .

وقد جعل الإنفاق من نفس المال المحب غاية لانتفاء نوال البر ، ومقتضى الغاية أن نوال البر لا يحصل بدونها ، وهو مشعر بأن قبل الإنفاق مسافاتت معنوية في الطريق الموصلة إلى البر ، وتلك هي خصال البر كلها بقيت غير مسلوكة ، وأن البر لا يحصل إلا بنهايتها وهو الإنفاق من المحبوب ، فظهر ل ( حتى ) هنا موقع من البلاغة لا يخلفها فيه غيرها : لأنه لو قيل إلا أن تنفقوا مما تحبون ، لتوهم السامع أن الإنفاق من المحب وحده يوجب نوال البر ، وفاتت الدلالة على المسافات والدرجات التي أشعرت بها ( حتى ) الغائية .

و ( تنالوا ) مشتق من النوال وهو التحصيل على الشيء المعطي .

والتعريف في البر تعريف الجنس : لأن هذا الجنس مركب من أفعال كثيرة منها الإنفاق المخصوص ، فبدونه لا تتحقق هذه الحقيقة .

والإنفاق : إعطاء المال والقوتت والكسوة .

وما صدق ( ما ) في قوله : ﴿ مما تحبون ﴾ المال : أي المال النفيس العزيز على النفس ، وسوغ هذا الإبهام هنا وجود تنفقوا إذ الإنفاق لا يطلق على غير بذل المال ف ( من ) للتبعيض لا غير ، ومن جوز أن تكون ( من ) للتبيين فقد سها لأن التبيينية لا بد أن تسبق بلفظ مبهم .

والمال المحبوب يختلف باختلاف أحوال المتصدقين ، ورغباتهم ، وسعة ثرواتهم ، والإنفاق منه أي التصدق دليل على سخاء لوجه الله تعالى ، وفي ذلك تزكية للنفس من بقية ما فيها من الشح ، قال تعالى : ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ ( الحشر : 9 ) وفي ذلك صلاح عظيم للأمة إذ تجود أغنياؤها على فقرائها بما تطمح إليه نفوسهم من نفائس الأموال فتشتد بذلك أواصر الأخوة ، ويهنأ عيش الجميع .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٦