آمنوا على المسلمين فصار كالعلم بالغلبة ، وهذا كقولهم أسلم ، وصبأ ، وأشرك ، وألحد ، دون ذكر متعلقات لهاته الأفعال لأن المراد أنه اتصف بهذه الصفات التي صارت أعلاما على أديان معروفة ، فالفعل نزل منزلة اللازم ، وأظهر منه : تهود ، وتنصر ، وتزندق ، وتحنف ، والقرينة على هذا المعنى ظاهرة وهي جعل إيمان أهل الكتاب في شرط الامتناع ، مع أن إيمانهم بالله معروف لا ينكره أحد . ووقع في ( الكشاف ) أن المراد : لو آمنوا الإيمان الكامل ، وه تكلف ظاهر ، وليس المقام مقامه . . وأجمل وجه كون الإيمان خيرا لهم لتذهب نفوسهم كل مذهب في الرجاء والإشفاق . ولما أخبر عن أهل الكتاب بامتناع الإيمان منهم بمقتضى جعل إيمانهم في حيز شرط ( لو ) الامتناعية ، تعين أن المراد من بقي بوصف أهل الكتاب ، وهو وصف لا يبقى وصفهم به بعد أن يتدينوا بالإسلام ، وكان قد يتوهم أن وصف أهل الكتاب يشمل من كان قبل ذلك منهم ولو دخل في الإسلام ، وجيء بالاحتراس بقوله : ﴿ منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ﴾ أي منهم من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فصدق عليه لقب المؤمن ، مثل عبد الله بن سلام ، وكان اسمه حصينا وهو من بني قينقاع ، وأخيه ، وعمصته خالدة ، وسعية أو سنعة بن غريض بن عاديا التيماوي ، وهو ابن أخي السموأل بن عاديا ، وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية القرظي ، وأسد بن عبيد القرظي ، ومخيريق من بني النضير أو من بني قينقاع ، ومثل أصمحة النجاشي ، فإنه آمن بقلبه وعوض عن إظهاره إعمال الإسلام نصره للمسلمين ، وحمايته لهم ببلده ، حتى ظهر دين الله ، فقبل الله منه ذلك ، ولذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بأنه كان مؤمنا وصلى عليه حين أوحي إليه بموته . ويحتمل أن يكون المعنى من أهل الكتاب فريق متق في دينه ، فهو قريب من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وهؤلاء مثل من بقي مترددا في الإيمان من دون أن يتعرض لأذى المسلمين ، مثل النصارى من نجران ونصارى الحبشة ، ومثل مخيريق اليهودي قبل أن يسلم ، على الخلاف في إسلامه ، فإنه أوصى بماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد بإيمانهم
تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٥٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٥٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي