تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتعين على هذا الاحتمال أن يكون ضمير الجمع في قوله : ﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ راجعا إلى من يتوقع منه ذلك من المؤمنين وهم الأزواج خاصة ، وهذا ليس بعزيز أن يطلق ضمير صالح للجمع ويراد منه بعض ذلك الجمع بالقرينة ، كقوله : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ ( النساء : 29 ) أي لا يقتل بعضكم أخاه ، إذ قد يعرف أن أحدا لا يقتل نفسه ، وكذلك ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ ( النور : 61 ) أي يسلم الداخل على الجالس . فالمعنى : ليذهب بعضكم ببعض ما آتاهن بعضكم ، كأن يريد الولي أن يذهب في ميراثه ببعض مال مولاته الذي ورثته من أمها أو قريبها أو من زوجها ، فيكون في الضمير توزيع . وإطلاق العضل على هذا المعنى حقيقة . والذهاب في قوله : ﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ مجاز في الأخذ ، كقوله : ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ ( البقرة : 17 ) ، أي أزاله .

ليس إتيانهن بفاحشة مبينة بعضا مما قبل الاستثناء لا من العضل ولا من الإذهاب ببعض المهر . فيحتمل أن يكون الاستثناء متصلا استثناء من عموم أحوال الفعل الواقع في تعليل النهي ، وهو إرادة الإذهاب ببعض ما آتوهن ، لأن عموم الأفراد يستلزم عموم الأحوال ، أي إلا حال الإتيان بفاحشة فيجوز إذهابكم ببعض ما آتيتموهن . ويحتمل أن يكون استثناء منقطعا في معنى الاستدراك ، أي لكن إتيانهن بفاحشة يحل لكم أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهن ، فقيل : هذا كان حكم الزوجة التي تأتي بفاحشة وأنه نسخ بالحد . وهو قول عطاء .

والفاحشة هنا عند جمهور العلماء هي الزنا ، أي أن الرجل إذا تحقق زنى زوجه فله أن يعضلها ، فإذا طلبت الطلاق فله أن لا يطلقها حتى تفتدي منه ببعض صداقها ، لأنها تسببت في بعثرة حال بيت الزوج ، وأحوجته إلى تجديد زوجة أخرى ، وذلك موكول لدينه وأمانة الإيمان . فإن حاد عن ذلك فللقضاة حمله على الحق . وإنما لم يجعل المفاداة بجميع المهر لئلا تصير مدة العصمة عرية عن عوض مقابل ، هذا ما يؤخذ من كلام الحسن . وأبي قلابة ، وابن سيرين وعطاء ؛ لكن قال عطاء : هذا الحكم نسخ بحد الزنا وباللعان ، فحرم الإضرار والافتداء .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٨٥