تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوعد بقبولها حتى جعلت كالحق على الله ، ولا شيء بواجب على الله إلا وجوب وعده بفضله . قال ابن عطية : إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء سمعا وليس وجوبا .

وقد تسلط الحصر على الخبر ، وهو ﴿ للذين يعملون ﴾ ، وذكر له قيدان وهما ﴿ بجهالة ﴾ و ﴿ من قريب ﴾ . والجهالة تطلق على سوء المعاملة وعلى الإقدام على العمل دون روية ، وهي ما قابل الحلم ، ولذلك تطلق الجهالة على الظلم . قال عمرو بن كلثوم :

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وقال تعالى ، حكاية عن يوسف ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) . والمراد هنا ظلم النفس ، وذكر هذا القيد هنا لمجرد تشويه عمل السوء ، فالباء للملابسة ، إذ لا يكون عمل السوء إلا كذلك . وليس المراد بالجهالة ما يطلق عليه اسم الجهل ، وهو انتفاء العلم بما فعله ، لأن ذلك لا يسمى جهالة ، وإنما هو من معاني لفظ الجهل ، ولو عمل أحد معصية وهو غير عالم بأنها معصية لم يكن آثما ولا يجب عليه إلا أن يتعلم ذلك ويجتنبه .

وقوله : ﴿ من قريب ﴾ ، من فيه للابتداء و ﴿ قريب ﴾ صفة لمحذوف ، أي من زمن قريب من وقت عمل السوء .

وتأول بعضهم معنى ﴿ من قريب ﴾ بأن القريب هو ما قبل الاحتضار ، وجعلوا قوله بعده ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت ﴾ يبين المراد من معنى ( قريب ) .

واختلف المفسرون من السلف ومن بعدهم في إعمال مفهوم القيدين ( بجهالة من قريب ) حتى قيل : إن حكم الآية منسوخ بآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ ( النساء : 48 ) ، والأكثر على أن قيد ( بجهالة ) كوصف كاشف لعمل السوء لأن المراد عمل السوء مع الإيمان . فقد روى عبد الرزاق عن قتادة قال : اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل عمل عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو غيره .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٧٨