تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

موقع هذه الآية في هذه السورة معضل ، وافتتاحها بواو العطف أعضل ، لاقتضائه اتصالها بكلام قبلها . وقد جاء حد الزنا في سورة النور ، وهي نازلة في سنة ست بعد غزوة بني المطلق على الصحيح ، والحكم الثابت في سورة النور أشد من العقوبة المذكورة هنا ، ولا جائز أن يكون الحد الذي في سورة النور قد نسخ بما هنا لأنه لا قائل به . فإذا مضينا على معتادنا في اعتبار الآي نازلة على ترتيبها في القراءة في سورها ، قلنا إن هذه الآية نزلت في سورة النساء عقب أحكام المواريث وحراسة أموال اليتامى ، وجعلنا الواو عاطفة هذا الحكم على ما تقدم من الآيات في أول السورة بما يتعلق بمعاشرة النساء ، كقوله : ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ ( النساء : 4 ) وجزمنا بأن أول هذه السورة نزل قبل أول سورة النور ، وأن هذه العقوبة كانت مبدأ شرع العقوبة على الزنا فتكون هاته الآية منسوخة بآية سورة النور لا محالة ، كما يدل عليه قوله : ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾ قال ابن عطية : أجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور . ا ه ، وحكى ابن الفرس في ترتيب النسخ أقوالا ثمانية لا نطيل بها . فالواو عاطفة حكم تشريع عقب تشريع لمناسبة : هي الرجوع إلى أحكام النساء ، فإن الله لما ذكر أحكاما من النكاح إلى قوله : ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ وما النكاح إلا اجتماع الرجل والمرأة على معاشرة عمادها التأنس والسكون إلى الأنثى ، ناسب أن يعطف إلى ذكر أحكام اجتماع الرجل بالمرأة على غير الوجه المذكور فيه شرعا ، وهو الزنا المعبر عنه بالفاحشة .

فالزنا هو أن يقع شيء من تلك المعاشرة على غير الحال المعروف المأذون فيه ، فلا جرم أن كان يختلف باختلاف أحوال الأمم والقبائل في خرق القوانين المجعولة لإباحة اختصاص الرجل بالمرأة .

ففي الجاهلية كان طريق الاختصاص بالمرأة السبي أو الغارة أو التعويض أو رغبة الرجل في مصاهرة قوم ورغبتهم فيه أو إذن الرجل امرأته بأن تستبضع من رجل ولدا كما تقدم .

وفي الإسلام بطلت الغارة وبطل الاستبضاع ، ولذلك تجد الزنا لا يقع إلا

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٦٩