تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ غير مضار ﴾ حال من ضمير ﴿ يوصى ﴾ الأخير ، ولما كان فعل يوصي تكريرا ، كان حالا من ضمائر نظائره .

و ﴿ مضار الأظهر أنه اسم فاعل بتقدير كسر الراء الأولى المدغمة أي غير مضار ورثته بإكثار الوصايا ، وهو نهي عن أن يقصد الموصي من وصيته الإضرار بالورثة . والإضرار منه ما حدده الشرع ، وهو أن يتجاوز الموصي بوصيته ثلث ماله وقد حدده النبي بقوله لسعد بن أبي وقاص الثلث والثلث كثير . ومنه ما يحصل بقصد الموصي بوصيته الاضرار بالوارث ولا يقصد القربة بوصيته ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : غير مضار ﴾ . ولما كانت نية الموصي وقصده الإضرار لا يطلع عليه فهو موكول لدينه وخشية ربه ، فإن ظهر ما يدل على قصده الإضرار دلالة واضحة ، فالوجه أن تكون تلك الوصية باطلة لأن قوله تعالى : ﴿ غير مضار ﴾ نهي عن الإضرار ، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه .

ويتعين أن يكون هذا القيد مقيدا للمطلق في الآي الثلاث المتقدمة من قوله ﴿ من بعد وصية ﴾ إلخ ، لأن هذه المطلقات متحدة الحكم والسبب . فيحمل المطلق منها على المقيد كما تقرر في الأصول .

وقد أخذ الفقهاء من هذه الآية حكم مسألة قصد المعطي من عطيته الإضرار بوارثه في الوصية وغيرها من العطايا ، والمسألة مفروضة في الوصية خاصة . وحكى ابن عطية عن مذهب مالك وابن القاسم أن قصد المضارة في الثلث لا ترد به الوصية لأن الثلث حق جعله الله له فهو على الإباحة في التصرف فيه . ونازعه ابن عرفة في التفسير بأن ما في الوصايا الثاني من ( المدونة ) ، صريح في أن قصد الإضرار يوجب رد الوصية وبحث ابن عرفة مكين . ومشهور مذهب ابن القاسم أن الوصية ترد بقصد الإضرار إذا تبين القصد غير أن ابن عبد الحكم لا يرى تأثير الإضرار . وفي شرح ابن ناجي على تهذيب المدونة أن قصد الإضرار بالوصية في أقل من الثلث لا يوهن الوصية على الصحيح . وبه الفتوى .

وقوله : ﴿ وصية ﴾ منصوب على أنه مفعول مطلق جاء بدلا من فعله ، والتقدير :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٦٦