تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه فريضة الميراث الذي سببه العصمة ، وقد أعطاها الله حقها المهجور عند الجاهلية إذ كانوا لا يورثون الزوجين : أما الرجل فلا يرث امرأته لأنها إن لم يكن لها أولاد منه ، فهو قد صار بموتها بمنزلة الأجنبي عن قرابتها من آباء وإخوة وأعمام ، وإن كان لها أولاد كان أولادها أحق بميراثها إن كانوا كبارا ، فإن كانوا صغارا قبض أقرباؤهم مالهم وتصرفوا فيه ، وأما المرأة فلا ترث زوجها بل كانت تعد موروثة عنه يتصرف فيها ورثته كما سيجيء في قوله : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾ ( النساء : 19 ) . فنوه الله في هذه الآيات بصلة العصمة ، وهي التي وصفها بالميثاق الغليظ في قوله : ﴿ وأخذن منكم ميثاقا غليظا ﴾ ( النساء : 21 ) .

والجمع في ﴿ أزواجكم ﴾ وفي قوله : ﴿ مما تركتم ﴾ كالجمع في الأولاد والآباء ، مراد به تعدد أفراد الوارثين من الأمة ، وههنا قد اتفقت الأمة عى أن الرجل إذا كانت له زوجات أنهن يشتركن في الربع أو في الثمن من غير زيادة لهن ، لأن تعدد الزوجات بيد صاحب المال فكان تعددهن وسيلة لإدخال المضرة على الورثة الآخرين بخلاف تعدد البنات والأخوات فإنه لا خيار فيه لرب المال . والمعنى : ولكل واحد منكم نصف ما تركت كل زوجة من أزواجه وكذلك قوله : ﴿ فلكم الربع مما تركن ﴾ .

وقوله : ﴿ ولهن الربع مما تركتم ﴾ أي لمجموعهن الربع مما ترك زوجهن . وكذلك قوله : ﴿ فلهن الثمن مما تركتم ﴾ وهذا حذق يدل عليه إيجاز الكلام .

وأعقبت فريضة الأزواج بذكر ﴿ من بعد وصية يوصين بها أو دين ﴾ لئلا يتوهم متوهم أنهن ممنوعات من الإيصاء ومن التداين كما كان الحال في زمان الجاهلية . وأما ذكر تلك الجملة عقب ذكر ميراث النساء من رجالهن فجريا على الأسلوب المتبع في هذه الآيات ، وهو أن يعقب كل صنف من الفرائض بالتنبيه على أنه لا يستحق إلا بعد إخراج الوصية وقضاء الدين .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٦٣