والممكنه : فالذين بلغوا اليأس من الولادة ، ولهم أولاد كبار أو لا أولاد لهم ، يدخلون في فرض هذا الشرط لأنهم لو كان لهم أولاد صغار لخافوا عليهم ، والذين لهم أولاد صغار أمرهم أظهر .
وفعل ( تركوا ) ماض مستعمل في مقاربة حصول الحدث مجازا بعلاقة الأول ، كقوله تعالى : ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم ﴾ ( البقرة : 240 ) وقوله تعالى : ﴿ لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ﴾ ( الشعراء : 201 ) وقول الشاعر :
إلى ملك كاد الجبال لفقده
تزول زوال الراسيات من الصخر
أي وقاربت الراسيات الزوال إذ الخوف إنما يكون عند مقاربة الموت لا بعد الموت . فالمعنى : لو شارفوا أن يتركوا ذرية ضعافا لخافوا عليهم من أولياء السوء .
والمخاطب بالأمر من يصلح له من الأصناف المتقدمة : من الأوصياء ، ومن الرجال الذين يحرمون النساء ميراثهن ، ويحرمون صغار إخوتهم أو أبناء إخوتهم وأبناء أعمامهم من ميراث آبائهم ، كل أولئك داخل في الأمر بالخشية ، والتخويف بالموعظة ، ولا يتعلق هذا الخطاب بأصحاب الضمير في قوله : ﴿ فارزقوهم منه ﴾ ( النساء : 8 ) لأن تلك الجملة وقعت كالاستطراد ، ولأنه لا علاقة لمضمونها بهذا التخويف .
وفي الآية ما يبعث الناس كلهم على أن يغضبوا للحق من الظلم ، وأن يأخذوا على أيدي أولياء السوء ، وأن يحرسوا أموال اليتامى ويبلغوا حقوق الضعفاء إليهم ، لأنهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم وأموالهم مثل ذلك ، وأن يأكل قويهم ضعيفهم ، فإن اعتياد السوء ينسي الناس شناعته ، ويكسب النفوس ضراوة على عمله . وتقدم تفسير الذرية عند قوله تعالى : { ذرية بعضها من بعض في سورة آل عمران ( 34 ) .
وقوله : فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا } فرع الأمر بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا أمرين متقاربين : لأن الأمر الأول لما عضد بالحجة اعتبر كالحاصل فصح التفريع عليه ، والمعنى : فليتقوا الله في أموال الناس وليحسنوا إليهم القول .