قوة النماء الطبيعي ببلغوا النكاح } ، فأسند البلوغ إلى ذواتهم لأن ذلك الوقت يدعو الرجل للتزوج ويدعو أولياء البنت لتزويجها ، فهو البلوغ المتعارف الذي لا متأخر بعده ، فلا يشكل بأن الناس قد يزوجون بناتهم قبل سن البلوغ ، وأبناءهم أيضا في بعض الأحوال ، لأن ذلك تعجل من الأولياء لأغراض عارضة ، وليس بلوغا من الأبناء أو البنات .
وقوله : ﴿ فإن آنستم منهم رشدا ﴾ شرط ثان مقيد للشرط الأول المستفاد من ﴿ إذا بلغوا ﴾ . وهو وجوابه جواب ( إذا ) ، ولذلك قرن بالفاء ليكون نصا في الجواب ، وتكون ( إذا ) نصا في الشرط ، فإن جواب ( إذا ) مستغن عن الربط بالفاء لولا قصد التنصيص على الشرطية .
وجاءت الآية على هذا التركيب لتدل على أن انتهاء الحجر إلى البلوغ بالأصالة ، ولكن بشرط أن يعرف من المحجور الرشد ، وكل ذلك قطع لمعاذير الأوصياء من أن يمسكوا أموال محاجيرهم عندهم مدة لزيادة التمتع بها .
ويتحصل من معنى اجتماع الشرطين في الكلام هنا ، إذ كان بدون عطف ظاهر أو مقدر بالقرينة ، أن مجموعهما سبب لتسليم المال إلى المحجور ، فلا يكفي حصول أحدهما ولا نظر إلى الذي يحصل منهما ابتداء ، وهي القاعدة العامة في كل جملة شرط بنيت على جملة شرط آخر ، فلا دلالة لهما إلا على لزوم حصول الأمرين في مشروط واحد ، وعلى هذا جرى قول المالكية ، وإمامم الحرمين . ومن العلماء من زعم أن ترتيب الشرطين يفيد كون الثاني منهما في الذكر هو الأول في الحصول . ونسبه الزجاجي في كتاب ( الأذكار ) إلى ثعلب ، واختاره ابن مالك وقال به من الشافعية : البغوي ، والغزالي في الوسيط ، ومن العلماء من زعم أن ترتيب الشرطين في الحصول يكون على نحو ترتيبهما في اللفظ ، ونسبه الشافعية إلى القفال ، والقاضي الحسين ، والغزالي في ( الوجيز ) ، والإمام الرازي في ( النهاية ) ، وبنوا على ذلك فروعا في تعليق الشرط على الشرط في الإيمان ، وتعليق الطلاق والعتاق ، وقال إمام الحرمين : لا معنى لاعتبار الترتيب ، وهو الحق ، فإن المقصود حصولها بقطع النظر عن التقدم والتأخر ، ولا يظهر أثر للخلاف