تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرجل والمرأة قصد منه المعاشرة ، وإيجاد آصرة عظيمة ، وتبادل حقوق بين الزوجين ، وتلك أغلى من أن يكون لها عوض مالي ، ولو جعل لكان عوضها جزيلا ومتجددا بتجدد المنافع ، وامتداد أزمانها ، شأن الأعواض كلها ، ولكن الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكراما لزوجاتهم ، وإنما أوجبه الله لأنه تقرر أنه الفارق بين النكاح وبين المخادنة والسفاح ، إذ كان أصل النكاح في البشر اختصاص الرجل بامرأة تكون له دون غيره ، فكان هذا الاختصاص ينال بالقوة ، ثم اعتاض الناس عن القوة بذل الأثمان لأولياء النساء ببيعهم بناتهم ومولياتهم ، ثم ارتقى التشريع وكمل عقد النكاح ، وصارت المرأة حليلة الرجل شريكته في شؤونه وبقيت الصدقات أمارات على ذلك الاختصاص القديم تميز عقد النكاح عن بقية أنواع المعاشرة المذمومة شرعا وعادة ، وكانت المعاشرة على غير وجه النكاح خالية عن بذل المال للأولياء إذ كانت تنشأ عن الحب أو الشهوة من الرجل للمرأة على انفراد وخفية من أهلها ، فمن ذلك الزنى الموقت ، ومنه المخادنة ، فهي زنا مستمر ، وأشار إليها القرآن في قوله : ﴿ محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ﴾ ( النساء : 25 ) ودون ذلك البغاء وهو الزنا بالإماء بأجور معينة ، وهو الذي ذكر الله النهي عنه بقوله : ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ﴾ ( النور : 33 ) وهنالك معاشرات أخرى ، مثل الضماد وهو أن تتخذ ذات الزوج رجلا خليلا لها في سنة القحط لينفق عليها مع نفقة زوجها . فلأجل ذلك سمى الله الصداق نحلة ، فأبعد الذين فسروها بلازم معناها فجعلوها كناية عن طيب نفس الأزواج أو الأولياء بإيتاء الصدقات ، والذين فسروها بأنها عطية من الله للنساء فرضها لهن ، والذين فسروها بمعنى الشرع الذي ينتحل أي يتبع .

وقوله : ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ﴾ الآية أي فإن طابت أنفسهن لكم بشيء منه أي المذكور . وأفرد ضمير ( منه ) لتأويله بالمذكور حملا على اسم الإشارة كما قال رؤبة :

فيها خطوط من سواد وبلق

كأنه في الجلد توليع البهق

فقال له أبو عبيدة : إما أن تقول : كأنها إن أردت الخطوط ، وإما أن تقول : كأنهما إن أردت السواد والبلق فقال : أردت كأن ذلك ، ويلك أي أجرى الضمير كما

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٣١