تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك أخرجه البخاري في باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة اعتدادا بأنها ما قالت ذلك إلا عن معاينة حال النزول ، وأفهام المسلمين التي أقرها الرسول عليه السلام ، لا سيما وقد قالت : ثم إن الناس استفتوا رسول الله ، وعليه فيكون إيجاز لفظ الآية اعتدادا بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم ، وتكون قد جمعت إلى حكم حفظ حقوق اليتامى في أموالهم الموروثة حفظ حقوقهم في الأموال التي يستحقها البنات اليتامى من مهور أمثالهن ، وموعظة الرجال بأنهم لما لم يجعلوا أواصر القرابة شافعة النساء اللاتي لا مرغب فيهن لهم فيرغبون عن نكاحهن ، فكذلك لا يجعلون القرابة سببا للإجحاف بهن في مهورهن . وقولها : ثم إن الناس استفتوا رسول الله ، معناه استفتوه طلبا لإيضاح هذه الآية . أو استفتوه في حكم نكاح اليتامى ، وله يهتدوا إلى أخذه من هذه الآية ، فنزل قوله : ﴿ ويستفتونك في النساء ﴾ الآية ، وأن الإشارة بقوله : ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ﴾ أي ما يتلى من هذه الآية الأولى ، أي كان هذا الاستفتاء في زمن نزول هذه السورة . وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية . وقال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والسدي ، وقتادة : كانت العرب تتحرج في أموال اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء ، فكانوا يتزوجون العشر فأكثر فنزلت هذه الآية في ذلك ، وعلى هذا القول فمحل الملازمة بين الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء من قوله : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ ، فيكون نسج الآية قد حيك على هذا الأسلوب ليدمج في خلاله تحديد النهاية إلى الأربع . وقال عكرمة : نزلت في قريش ، كان الرجل يتزوج العشر فأكثر فإذا ضاق ماله عن إنفاقهن أخذ مال يتيمه فتزوج منه ، وعلى هذا الوجه فالملازمة ظاهرة ، لأن تزوج ما لا يستطاع القيام به صار ذريعة إلى أكل أموال اليتامى ، فتكون الآية دليلا على مشروعية سد الذرائع إذا غلبت . وقال مجاهد : الآية تحذير من الزنا ، وذلك أنهم كانوا يتحرجون من أكل أموال اليتامى ولا يتحرجون من الزنا ، فقيل لهم : إن كنتم تخافون من أموال اليتامى فخافوا الزنا ، لأن شأن المتنسك أن يهجر جميع المآثم لا سيما ما كانت مفسدته أشد . وعلى هذا الوجه تضعف الملازمة بين الشرط وجوابه ويكون فعل الشرط ماضيا لفظا ومعنى . وقيل في هذا وجوه أخر هي أضعف مما ذكرنا .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٢٣