تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتقى ، ولأن في معاني هذه الصلات زيادة تحقيق اتصال الناس بعضهم ببعض ، إذ الكل من أصل واحد ، وإن كان خلقهم ما حصل إلا من زوجين فكل أصل من أصولهم ينتمي إلى أصل فوقه .

وقد حصل من ذكر هذه الصلات تفصيل لكيفية خلق الله الناس من نفس واحدة . وجاء الكلام على هذا النظم توفية بمقتضى الحال الداعي للإتيان باسم الموصول ، ومقتضى الحال الداعي لتفصيل حالة الخلق العجيب . ولو غير هذا الأسلوب فجيء بالصورة المفصلة دون سبق إجمال ، فقيل : الذي خلقكم من نفس واحدة وبث منها رجالا كثيرا ونساء لفاتت الإشارة إلى الحالة العجيبة . وقد ورد في الحديث : أن حواء خلقت من ضلع آدم ، فلذلك يكون حرف ( من ) في قوله : ﴿ وخلق منها ﴾ للابتداء ، أي أخرج خلق حواء من ضلع آدم . والزوج هنا أريد به الأنثى الأولى التي تناسل منها البشر ، وهي حواء . وأطلق عليها اسم الزوج لأن الرجل يكون منفردا فإذا اتخذ امرأة فقد صارا زوجا في بيت ، فكل واحد منهما زوج للآخر بهذا الاعتبار ، وإن كان أصل لفظ الزوج أن يطلق على مجموع الفردين ، فإطلاق الزوج على كل واحد من الرجل والمرأة المتعاقدين تسامح صار حقيقة عرفية ، ولذلك استوى فيه الرجل والمرأة لأنه من الوصف بالجامد ، فلا يقال للمرأة ( زوجة ) ، ولم يسمع في فصيح الكلام ، ولذلك عده بعض أهل اللغة لحنا . وكان الأصمعي ينكره أشد الإنكار قيل له : فقد قال ذو الرمة :

أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة

أراك لها بالبصرة العام ثاويا

فقال : إن ذا الرمة طالما أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين ، يريد أنه مولد .

وقال الفرزدق :

وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي

كساع إلى أسد الشرى يستبيلها

وشاع ذلك في كلام الفقهاء ، قصدوا به التفرقة بين الرجل والمرأة عند ذكر الأحكام ، وهي تفرقة حسنة . وتقدم عند قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة في سورة البقرة ( 35 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢١٦