وأرادوا من السيئات ما كان فيه حق الناس ، فلذلك سألوا تكفيرها عنهم . وقيل هو مجرد تأكيد ، وهو حسن ، وقيل أرادوا من الذنوب الكبائر ومن السيئات الصغائر لأن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر ، بناء على أن الذنب أدل على الإثم من السيئة .
وسألوا الوفاة مع الأبرار ، أي أن يموتوا على حالة البر ، بأن يلازمهم البر إلى الممات وأن لا يرتدوا على أدبارهم ، فإذا ماتوا كذلك ماتوا من جملة الأبرار . فالمعية هنا معية اعتبارية ، وهي المشاركة في الحالة الكاملة ، والمعية مع الأبرار أبلغ في الاتصاف بالدلالة ، لأنه بر يرجى دوامه وتزايده لكون صاحبه ضمن جمع يزيدونه إقبالا على البر بلسان المقال ولسان الحال .
ولما سألوا أسباب المثوبة في الدنيا والآخرة ترقوا في السؤال إلى طلب تحقيق المثوبة ، فقالوا : ﴿ وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ .
وتحتمل كلمة ( على ) أن تكون لتعدية فعل الوعد ، ومعناها التعليل فيكون الرسل هم الموعود عليهم ، ومعنى الوعد على الرسل أنه وعد على تصديقهم فتعين تقدير مضاف ، وتحتمل أن تكون ( على ) ظرفا مستقرا ، أي وعدا كائنا على رسلك أي ، منزلا عليهم ، ومتعلق الجار في مثله كون غير عام بل هو كون خاص ، ولا ضير في ذلك إذا قامت القرينة ، ومعنى ( على ) حينئذ الاستعلاء المجازي ، أو تجعل ( على ) ظرفا مستقرا حالا ﴿ مما وعدتنا ﴾ أيضا ، بتقدير كون عام لكن مع تقدير مضاف إلى رسلك ، أي على ألسنة رسلك .
والموعود على ألسنة الرسل أو على التصديق بهم الأظهر أنه ثواب الآخرة وثواب الدنيا : لقوله تعالى : ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴾ ( آل عمران : 148 ) وقوله : ﴿ وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ ( النور : 55 ) الآية ، وقوله : ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ ( الأنبياء : 105 ) . والمراد بالرسل في قوله : ﴿ على رسلك ﴾ خصوص محمد صلى الله عليه وسلم أطلق عليه وصف ( رسل ) تعظيما لقوله تعالى : ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ﴾ ( إبراهيم : 47 ) . ومنه قوله تعالى : ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ﴾ ( الفرقان : 37 ) .