ومعنى ﴿ ما خلقت هذا باطلا ﴾ أي خلقا باطلا ، أو ما خلقت هذا في حال أنه باطل ، فهي حال لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات ، كقوله : ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ ( الدخان : 38 ) فالمقصود نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أن هذا الخلق باطل أو خلي عن الحكمة ، والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثيرا .
وجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم : ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ لأنه ترتب على العلم بأن هذا الخلق حق ، ومن جملة الحق أن لا يستوي الصالح والطالح ، والمطيع والعاصي ، فعلموا أن لكل مستقرا مناسبا فسألوا أن يكونوا من أهل الخير المجنبين عذاب النار .
وقولهم : ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار ، كما توذن به ( إن ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا . والخزي مصدر خزي يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس ، وأخزاه أذله على رؤوس الأشهاد ، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأن دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم : ﴿ عذاب النار ﴾ أن النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذب وإهانة علنية ، وذلك معنى مستقر في نفوس الناس ، ومنه قول إبراهيم عليه السلام : ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون ﴾ ( بالشعراء : 87 ) وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء ، أي من يدخل النار فقد أخزيته . والخزي لا تطيقه الأنفس ، فلا حاجة إلى تأويل تأولوه على معنى فقد أخزيته خزيا عظيما . ونظره صاحب ( الكشاف ) بقول رعاة العرب : ( من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك ) أي فقد أدرك مرعى مخصبا لئلا يكون معنى الجزاء ضروري الحصول من الشرط فلا تظهر فائدة للتعليق بالشرط ، لأنه يخلي الكلام عن الفائدة حينئذ . وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى : ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ ( آل عمران : 185 ) .
ولأجل هذا أعقبوه بما في الطباع التفادي به عن الخزي والمذلة بالهرع إلى أحلافهم وأنصارهم ، فعلموا أن لا نصير في الآخرة للظالم فزادوا بذلك