تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تمثيلية : شبه حال حرصهم وجدهم في تفكير الناس وإدخال الشك على المؤمنين وتربصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع إلى تحصيل شيء يخشى أن يفوته وهو متوغل فيه متلبس به ، فلذلك عدي بفي الدالة على سرعتهم سرعة طالب التمكين ، لا طالب الحصول ، إذ هو حاصل عندهم ولو عدي بإلى لفهم منه أنهم لم يكفروا عند المسارعة . قيل : هؤلاء هم المنافقون ، وقيل : قوم أسلموا ثم خافوا من المشركين فارتدوا .

وجملة ﴿ إنهم لن يضروا الله شيئا ﴾ تعليل للنهي عن أن يحزنه تسارعهم إلى الكفر بعلة يوقن بها الرسول عليه الصلاة والسلام . وموقع إن في مثل هذا المقام إفادة التعليل ، وإن تغني غناء فاء التسبب ، كما تقدم غير مرة .

ونفي ﴿ لن يضروا الله ﴾ مراد به نفي أن يعطلوا ما أراده إذ قد كان الله وعد الرسول إظهار دينه على الدين كله ، وكان سعي المنافقين في تعطيل ذلك ، نهي الله رسوله أن يحزن لما يبدو له من اشتداد المنافقين في معاكسة الدعوة ، وبين له أنهم لن يستطيعوا إبطال مراد الله ، تذكيرا له بأنه وعده بأنه متم نوره .

ووجه الحاجة إلى هذا النهي : هو أن نفس الرسول ، وإن بلغت مرتقى الكمال ، لا تعدو أن تعتريها في بعض أوقات الشدة أحوال النفوس البشرية : من تأثير مظاهر الأسباب ، وتوقع حصول المسببات العادية عندها ، كما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر . وهو في العريش ، وإذا انتفى إضرارهم الله انتفى إضرارهم المؤمنين فيما وعدهم الله . وقرأ الجمهور : يحزنك بفتح الياء وضم الزاي من حزنه إذا أدخل عليه الحزن ، وقرأه نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه .

وجملة ﴿ يريد الله ﴾ استئناف لبيان جزائهم على كفرهم في الآخرة ، بعد أن بين السلامة من كيدهم في الدنيا والمعنى : أن الله خذلهم وسلبهم التوفيق فكانوا مسارعين في الكفر لأنه أراد أن لا يكون لهم حظ في الآخرة . والحظ : النصيب من شيء نافع .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١٧٣