تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأقبلت والخطي يخطر بيننا

لأعلم من جبانها من شجاعها

أراد لتظهر شجاعتي وجبن الآخرين . وقد تقدم نظيره قريبا .

و ﴿ الذين نافقوا ﴾ هم عبد الله بن أبي ومن انخزل معه يوم أحد ، وهم الذين قيل لهم : تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا . قاله لهم عبد الله بن عمر بن حرام الأنصاري ، والد جابر بن عبد الله ، فإنه لما رأى انخزالهم قال لهم : اتقوا الله ولا تتركوا نبيئكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا . والمراد بالدفع حراسة الجيش وهو الرباط أي : ادفعوا عنا من يريدنا من العدو فلما قال عبد الله بن عمر بن حرام ذلك أجابه عبد الله بن أبي وأصحابه بقولهم : لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، أي لم نعلم أنه قتال ، قيل : أرادوا أن هذا ليس بقتال بل إلقاء باليد إلى التهلكة ، وقيل : أرادوا أن قريشا لا ينوون القتال ، وهذا لا يصح إلا لو كان قولهم هذا حاصلا قبل انخزالهم ، وعلى هذين فالعلم بمعنى التحقق المسمى بالتصديق عند المناطقة ، وقيل : أرادوا لو نحسن القتال لاتبعناكم ، فالعلم بمعنى المعرفة ، وقولهم حينئذ تهكم وتعذر .

ومعنى ﴿ هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ﴾ أن ما يشاهد من حالهم يومئذ أقرب دلالة على أنهم يبطنون الكفر من دلالة أقوالهم : إنا مسلمون ، واعتذارهم بقولهم : لو نعلم قتالا لاتبعناكم . أي إن عذرهم ظاهر الكذب ، وإرادة تفشيل المسلمين ، والقرب مجاز في ظهور الكفر عليهم .

ويتعلق كل من المجرورين في قوله : ﴿ منهم للإيمان ﴾ بقوله : ﴿ أقرب ﴾ لأن ﴿ أقرب ﴾ تفضيل يقتضي فاضلا ومفضولا ، فلا يقع لبس في تعلق مجرورين به لأن السامع يرد كل مجرور إلى بعض معنى التفضيل .

وقوله : ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ استئناف لبيان مغزى هذا الاقتراب ، لأنهم يبدون من حالهم أنهم مؤمنون ، فكيف جعلوا إلى الكفر أقرب ، فقيل : إن الذي يبدونه ليس موافقا لما في قلوبهم ، وفي هذا الاستئناف ما يمنع أن يكون المراد من الكفر في قوله : ﴿ هم للكفر ﴾ أهل الكفر .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١٦٣