تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على قدر سعة التفكير الجائل في ذلك ، ففي هذا الخبر العظيم إطلاق للأفكار من عقالها ، وزج بها في مسارح العبر ، ومراكض العظات ، والسابقون الجياد ، فالخبر مستعمل في لازم معناه وهو الحض على تحصيل ذلك . وعلى هذا الوجه تظهر مناسبة موقع هذا الاستئناف عقب ما تقدمه : لأنه بعد أن خاطبهم بفنون الملام والمعذرة والتسلية من قوله : ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ ( آل عمران : 137 ) إلى هنا ، جمع لهم كل ذلك في كلام جامع نافعع في تلقي الماضي ، وصالحح للعمل به في المستقبل ، ويجوز أن يكون الإخبار مبنيا على تنزيل العالم منزلة الجاهل ، حيث أظهروا من الحرص على الغنيمة ومن التأول في أمر الرسول لهم في الثبات ، ومن التلهف على ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجرح ، ما جعل حالهم كحال من يجهل أن النصر والخذل بيد الله تعالى . فالخبر مستعمل في معناه على خلاف مقتضى الظاهر .

والنصر : الإعانة على الخلاص من غلب العدو ومريد الإضرار .

والخذلان ضده : وهو إمساك الإعانة مع القدرة ، مأخوذ من خذلت الوحشية إذا تخلفت عن القطيع لأجل عجز ولدها عن المشي .

ومعنى ﴿ إن ينصركم ﴾ ﴿ وإن يخذلكم ﴾ إن يرد هذا لكم ، وإلا لما استقام جواب الشرط الأول ، وهو ( ﴿ فلا غالب لكم ﴾ إذ لا فائدة في ترتيب عدم الغلب على حصول النصر بالفعل ، ولا سيما مع نفي الجنس في قوله : ﴿ فلا غالب لكم ﴾ ، لأنه يصير من الإخبار بالمعلوم ، كما تقول : إن قمت فأنت لست بقاعد . وأما فعل الشرط الثاني وهو : ﴿ وإن يخذلكم ﴾ فيقدر كذلك حملا على نظيره ، وإن كان يستقيم المعنى بدون تأويل فيه . وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى : ﴿ إذا قمتم إلى الصلواة فاغسلوا وجوهكم ﴾ ( المائدة : 6 ) الآية .

وجعل الجواب بقوله : ﴿ فلا غالب لكم ﴾ دون أن يقول : لا تغلبوا ، للتنصيص على التعميم في الجواب ، لأن عموم ترتب الجزاء على الشرط أغلبي وقد يكون جزئيا أي لا تغلبوا من بعض المغالبين ، فأريد بإفادة التعميم دفع التوهم .

والاستفهام في قوله : ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ إنكاري أي فلا ينصركم أحد غيره .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١٥٣