فقال أبو سفيان : ينال منا وننال منه ، فقال هرقل : وكذلك الإيمان حتى يتم . فظنهم ذلك ليس بحق .
وقد بين الله تعالى أنه ظن الجاهلية الذين لم يعرفوا الإيمان أصلا فهؤلاء المتظاهرون بالإيمان لم يدخل الإيمان في قلوبهم فبقيت معارفهم كما هي من عهد الجاهلية ، والجاهلية صفة جرت على موصوف محذوف يقدر بالفئة أو الجماعة ، وربما أريد به حالة الجاهلية في قولهم أهل الجاهلية ، وقوله تعالى : ﴿ تبرج الجاهلية الأولى ﴾ ، والظاهر أنه نسبة إلى الجاهل أي الذي لا يعلم الدين والتوحيد ، فإن العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحلم ، قال ابن الرومي :
بجهل كجهل السيف والسيف منتضى
وحلم كحلم السيف والسيف مغمد
وأطلقت الجهل على عدم العلم قال السموأل .
فليس سواء عالم وجهول
وقال النابغة :
وليس جاهل شيء مثل من علما
وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن ، وصف به أهل الشرك تنفيرا من الجهل ، وترغيبا في العلم ، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذم في نحو قوله : ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ ( المائدة : 50 ) ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ ( الأحزاب : 33 ) ﴿ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ﴾ ( الفتح : 26 ) . وقال ابن عباس : سمعت أبي في الجاهلية يقول : اسقنا كأسا دهاقا ، وفي حديث حكيم بن حزام : أنه سأل النبيء صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم . وقالوا : شعر الجاهلية ، وأيام الجاهلية . ولم يسمع ذلك كله إلا بعد نزول القرآن وفي كلام المسلمين .
وقوله : ﴿ غير الحق ﴾ منتصب على أنه مفعول ﴿ يظنون ﴾ كأنه قيل الباطل . وانتصب قوله : ﴿ ظن الجاهلية ﴾ على المصدر المبين للنوع إذ كل أحد يعرف عقائد الجاهلية إن كان متلبسا بها أو تاركا بها .