ذهبت بهم هواجسهم إلى أن ظنوا بالله ظنونا باطلة من أوهام الجاهلية . وفي هذا تعريض بأنهم لم يزالوا على جاهليتهم لم يخلصوا الدين لله ، وقد بين بعض ما لهم الظن بقوله : ﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ وهل للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي ، بقرينة زيادة ( من ) قبل النكرة ، وهي من خصائص النفي ، وهو تبرئة لأنفسهم من أن يكونوا سببا في مقابلة العدو . حتى نشأ عنه ما نشأ ، وتعريض بأن الخروج للقتال يوم أحد خطأ وغرور ، ويظنون أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس برسول إذ لو كان لكان مؤيدا بالنصر .
والقول في ﴿ هل لنا من الأمر من شيء ﴾ كالقول في ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ ( آل عمران : 128 ) المتقدم آنفا . والمراد بالأمر هنا شأن الخروج إلى القتال ، والأمر بمعنى السيادة الذي منه الإمارة ، ومنه أولو الأمر .
وجملة ﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ يظنون ﴾ لأن ظن الجاهلية يشتمل على معنى هذا القول . ومعنى ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ﴾ أي من شأن الخروج إلى القتال ، أو من أمر تدبير الناس شيء ، أي رأي ما قتلنا ههنا ، أي ما قتل قومنا . وليس المراد انتفاء القتل مع الخروج إلى القتال في أحد ، بل المراد انتفاء الخروج إلى أحد الذي كان سببا في قتل من قتل ، كما تدل عليه قرينة الإشارة بقوله : ( ههنا ) ، فالكلام كناية . وهذا القول قاله عبد الله بن أبي ابن سلول لما أخبروه بمن استشهد من الخزرج يومئذ ، وهذا تنصل من أسباب الحرب وتعريض بالنبيء ومن أشار بالخروج من المؤمنين الذين رغبوا في إحدى الحسنيين .
وإنما كان هذا الظن غير الحق لأنه تخليط في معرفة صفات الله وصفات رسوله وما يجوز وما يستحيل ، فإن لله أمرا وهديا وله قدر وتيسير ، وكذلك لرسوله الدعوة والتشريع وبذل الجهد في تأييد الدين وهو في ذلك معصوم ، وليس معصوما من جريان الأسباب الدنيوية عليه ، ومن أن يكون الحرب بينه وبين عدوه سجالا ، قال أبو سفيان لهرقل وقد سأله : كيف كان قتالكم له ؟