وفي هذا الوجه بعد : لأن المقام مقام ملام لا توبيخ ، ومقام لا تنديم . وإما مشاكلة تقديرية لأنهم لما خرجوا للحرب خرجوا طالبين الثواب ، فسلكوا مسالك باءوا معها بعقاب فيكون كقول الفرزدق :
أخاف زيادا أن يكون عطاؤه
أداهم سودا أو محدرجة سمرا
وقول الآخر :
قلت : اطبخوا لي جبة قميصا .
ونكتة هذه المشاكلة أن يتوصل بها إلى الكلام على ما نشأ عن هذا الغم من عبرة ، ومن توجه عناية الله تعالى إليهم بعده .
والباء في قوله : ﴿ بغم ﴾ للمصاحبة أي غما مع غم ، وهو جملة الغموم التي دخلت عليهم من خيبة الأمل في النصر بعد ظهور بوارقه ، ومن الانهزام ، ومن قتل من قتل ، وجرح من جرح ، ويجوز كون الباء للعوض ، أي : جازاكم الله غما في نفوسكم عوضا عن الغم الذي نسبتم فيه للرسول وإن كان الضمير في قوله : ﴿ فأثابكم ﴾ عائدا إلى الرسول في قوله : ﴿ والرسول يدعوكم ﴾ ، وفيه بعد ، فالإثابة مجاز في مقابلة فعل الجميل بمثله أي جازاكم بغم . والباء في قوله : ﴿ بغم ﴾ باء العوض . والغم الأول غم نفس الرسول ، والغم الثاني غم المسلمين ، والمعنى أن الرسول اغتم وحزن لما أصابكم ، كما اغتممتم لما شاع من قتله فكان غمه لأجلكم جزاءا على غمكم لأجله .
وقوله : ﴿ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ﴾ تعليل أول ل ( أثابكم ) أي ألهاكم بذلك الغم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ، وما أصابكم من القتل والجراح ، فهو أنساهم بمصيبة صغيرة مصيبة كبيرة ، وقيل : ( لا ) زائدة والمعنى : لتحزنوا ، فيكون زيادة في التوبيخ والتنديم إن كان قوله : ﴿ أثابكم ﴾ تهكما أو المعنى فأثابكم